الغَربُ المغربي المَغْبون

03 مايو 2019
تنقسم منطقة الغرب في المغرب من وجه نظر الثقافة الشعبية إلى غرب "اللْبَنْ" وغرب "التْبَنْ" وغرب "الغْبَنْ". الوصف الأخير مأخوذ من كلمة الغبن كإحالة على الحال المأساوي، الذي يعيشه جزء كبير من جماعات الإقليم من حيث مشاريع التنمية، البنيات التحتية المنعدمة أو المهترئة في أحسن الأحوال من مدارس ومستشفيات وخدمات عامة، تشهد بذلك النسبة المرتفعة للهدر المدرسي والبطالة. فعلى الرغم من المؤهلات الفلاحية المهمة التي تحفل بها المنطقة، إلا أن معظم السكان محرومون من أبسط شروط العيش الكريم. ربما لأن الفلاحة نفسها نعمة في ثوب نقمة، ما دام المسؤولون يعتقدون وهماً بأن المواطنين يحققون الاكتفاء الذاتي إلى جانب البذخ في العيش الكريم بفضل الأرض. متناسين أن تقدم بلد مرتهن بالفرد قبل الأرض.

بمقدورنا التغافل عن جميع هذه النواقص والعيوب المجتمعية، ما دام الفرد المغربي قد تكيف وتطبع مع مستوى العيش المتواضع في البلد ككل، مقتنعا أن شروط الحياة الكريمة، كما يرونها يوميا في وسائل الإعلام والتواصل في الكثير من البلدان هي حكر في بلدهم على مدن بعينها وأشخاص محددين خاصة ذوي سبعة ملايين في معاش تقاعدهم. أما مناطق بعينها، فمصابة بلعنة التاريخ والموقع الجغرافي البعيد عن مركز البلد. أو ربما مغضوب عليها إلى يوم الدين من طرف أباطرة الدولة والتسيير. وتلك غصة مُرة بإمكاننا التعايش معها. لكن غير المقبول بتاتا من وجهة الكرامة والمنطق والعدل هو التطبيع مع تضييع وهدر أسمى حق في الإنسان والحق الطبيعي في الحياة.

مناسبة هذا القول هو مقتل ما يفوق عشر عاملات في الضيعات الفلاحية دهستهم شاحنة كبيرة، مختصة في سرقة رمال منطقة بوسلهام الساحلية التابع لإقليم القنيطرة. لا عجب، فقد أجهز الفساد المعلوم والفاسدون المجهولون على أموال المواطنين، ليمروا إلى نهب الرمال من تحت أرجلهم، في غفلة منهم. وبغمزة موافقة من طرف القانون والسلطات.

مولاي بوسلهام منطقة ساحلية، فيها يموت الشباب الذكور على قوارب الهجرة المؤدية نحو إسبانيا. أما أخواتهم وأمهاتهم وبناتهم فيقتلهم السائقون المتهورون. بعدما يمتص أصحاب تلك الضيعات الكبرى عرقهم ودماءهم وكرامتهم. وفي الأخير أرواحهم. هذا هو المعنى الحقيقي للغبن. أن يجد الإنسان نفسه محاصراً، لا بقوى الفقر والضياع والإهمال والجهل، بل ومحاطاً أيضاً بطيف الموت غير المشروع أينما ولى وجهه. حتى وهو مُتجهٌ للتعب مدة ثماني ساعات منحني الظهر يجني البطاطس والتوت البري بأجر لا يتعدى ستين درهما. ما يحز أكثر في النفس هو أن حادثة موت هؤلاء العمال والعاملات مر دون ضجيج إعلامي أو اهتمام مجتمعي كذلك الذي حظيت به زيارة بابا الفاتيكان للبلد. كان على الأخير أن يلبس رداءً أسود حداداً على تلك الأرواح النقية في بساطتها، بدل التمخطر في بدلته البيضاء الحليبية. وبما أنه لم يفعل، فمن واجبنا الأخلاقي والإنساني، نحن الذين اكتوينا بنار فقدانهم أن نؤرخ له بمداد أسود يعوض حداد الذين ينظرون إلى الدم المغربي على أنه رخيص.

إن آخر ذرة أمل وآخر قطرة كرامة في الإنسان المغربي، يجب أن ننفقهما على رسم تذكار خالد لأولئك الذين عاشوا مقهورين في جحيم ضيعات التوت البري، ثم ماتوا مسحوقين في الطريق إليها. بل ومهمشين طول مسار حياتهم.