الغوطة نحو التهجير الكبير... وروسيا تتمسك برواية الضربة الأميركية

21 مارس 2018
الصورة
مهجرون من الغوطة في معسكرات الاعتقال (لؤي بشارة/فرانس برس)
+ الخط -
في وقت تتواصل فيه معارك الكر والفر في أنحاء متفرقة من الغوطة الشرقية لا تزال تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، تخوض روسيا حرب النظام السوري على أكثر من جهة، عبر تعطيل أي تدخّل لمجلس الأمن الدولي ينهي المأساة في الغوطة، بالتزامن مع إجراء مفاوضات مع فصائل المعارضة هناك، لا يزال الغموض يلفها، ومع توجيه دعوات للولايات المتحدة للتخلي عن خططها لتوجيه ضربة إلى النظام، بعد تصاعد الحديث عن تحضيرات أميركية لتحرك كهذا. مقابل ذلك، يستمر سقوط المزيد من القتلى المدنيين في مناطق الغوطة المحاصرة، في غارات وقصف للنظام على الأحياء السكنية، ووسط تفاقم المأساة الإنسانية لعشرات آلاف العائلات في الغوطة، وذلك في وقت عرقلت فيه موسكو عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي كانت ستخصص لبحث الوضع الإنساني في سورية.

واستمر القصف الجوي من قوات النظام، أمس الثلاثاء، على مدن وبلدات الغوطة المحاصرة، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى المدنيين. وقال الدفاع المدني السوري في ريف دمشق إن ستة مدنيين، بينهم طفلان، قتلوا وجرح آخرون جراء غارات من طيران النظام على الأحياء السكنية في مدينتي عربين وعين ترما. كما أفاد الناشط الميداني في الغوطة الشرقية محمد الشامي، لـ"العربي الجديد"، بسقوط قتلى وجرحى مدنيين جراء تجدد غارات الطيران الحربي على أحياء مدينة دوما. ويأتي هذا بعد يوم الإثنين الدامي، الذي قُتل فيه عشرات المدنيين في الغوطة. وتحدث الدفاع المدني عن ارتفاع حصيلة الضحايا جراء القصف على مدينة عربين يوم الإثنين إلى 28 قتيلاً، بينما سقط في مدينة دوما في اليوم نفسه 19 قتيلاً، بينهم 11 طفلاً وامرأة. وقتلت الهجمات ذاتها 3 مدنيين في عين ترما و3 في حرستا وزملكا.

أما على صعيد المعارك البرية، وبعد تقدّم قوات النظام في الأيام القليلة الماضية شرقي القطاع الجنوبي الأوسط في الغوطة وصولاً لسقبا وحمورية وكفر بطنا، واستمرار محاولات التقدّم في جبهة الريحان، شرق دوما، فإن الخارطة الميدانية تؤشر إلى أن مناطق "فيلق الرحمن"، وسط جنوب الغوطة، والتي فصلتها قوات النظام عن القطاع الشمالي ومركزه دوما، تشهد مزيداً من التآكل والتقلص، مقابل تمدد القوات المهاجمة، التي لم تحرز، حتى عصر أمس الثلاثاء، تقدماً جديداً.

وتبقى وفق ذلك مناطق الغوطة الشرقية مقسمة إلى ثلاث مناطق رئيسية؛ الأولى شمال الغوطة ومركزها دوما حيث معقل "جيش الإسلام"، والثانية جنوب الغوطة أو ما يعرف بالقطاع الأوسط، وهو معقل "فيلق الرحمن"، وأبرز مدنه التي ما زالت تحت سيطرة الفيلق عربين وحزة وعين ترما وزملكا وصولاً إلى حي جوبر الدمشقي، والثالثة مدينة حرستا، غرب الغوطة، وهي معقل "حركة أحرار الشام"، وكانت تدور مفاوضات لإخراج مقاتلي الحركة إلى شمال غرب سورية.

وعلمت "العربي الجديد" من مصادر عدة في الغوطة، تطابقت أقوالها، أن الفصائل هناك عمّمت على الناشطين الإعلاميين والصحافيين، ضرورة "عدم نشر أخبار المعارك الميدانية إلا بعد إعلانها من قيادة المعركة بشكل رسمي"، لكن مصدراً عسكرياً في المعارضة، أفاد "العربي الجديد"، بأن "معارك كر وفر تدور في جبهات مديرا ومسرابا، وسط الغوطة، وفي جبهات أخرى في القطاع الأوسط"، مشيراً إلى أن "الفصائل هي التي بادرت إلى الهجوم، وأوقعت خسائر كبيرة في قوات النظام". وقال المصدر، عصر أمس، إن "هذه المعارك ما تزال مستمرة منذ أربع وعشرين ساعة، وقد حققت الفصائل إنجازات جزئية"، مضيفاً أنه "تم تجاوز بعض الإشكالات العسكرية في القطاع الأوسط، بعد تخلي مجموعة عن واجب دفاعها عن جبهات هناك، ما سهّل تقدّم قوات النظام في الأيام الماضية"، من دون أن يكشف تفاصيل إضافية حول المفاوضات التي يجري الحديث عنها.

في مقابل ذلك، تلف الضبابية المفاوضات التي تجري برعاية الأمم المتحدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في الغوطة. وفيما تعثّر تواصل "العربي الجديد" مع المتحدث الرسمي باسم "فيلق الرحمن" لمعرفة آخر مستجدات مسار المفاوضات وبنود التفاوض، فقد اكتفى المتحدث باسم هيئة أركان "جيش الإسلام" حمزة بيرقدار، بالقول لـ"العربي الجديد"، إن "لا جديد في هذه المسألة، ولا التزام من قبل مليشيات الأسد، ولا احترام للقرارات".


واعترفت روسيا، أمس، بأنها "تتفاوض مع قادة الجماعات المسلحة في الغوطة بهدف وقف الأعمال العدائية وتجنّب وقوع كارثة إنسانية هناك، على الرغم من المحاولات المستمرة من قبل المسلحين لإخراج السلام عن مساره في الغوطة"، بحسب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وقال شويغو، في تصريح له أمس، إن قوات النظام "حررت أكثر من 65 في المائة من الغوطة الشرقية، وإن 80 ألف شخص خرجوا في الأيام الخمسة الماضية عبر الممرات" التي فتحها النظام السوري و"مركز المصالحة الروسي".

وادعى الوزير الروسي أنه "تم إحباط ثلاث محاولات لاستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل المسلحين في سورية خلال الأسبوع الماضي"، مضيفاً أنه "لا تزال هناك إمكانية استخدام المسلحين للمواد السامة من أجل اتهام القوات السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية، وقد تم إحباط ثلاث محاولات الأسبوع الماضي". وأضاف: "نعوّل أنه في الوضع الحالي سيضع شركاؤنا الغربيون حداً للتلاعب مع الإرهابيين في سورية وينضمون لمبادرات السلام الروسية".

في السياق نفسه، وجّهت روسيا دعوة للولايات المتحدة للتخلي عن خططها لتوجيه ضربة إلى نظام بشار الأسد. وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في تصريح صحافي أمس: "كنا ولا نزال نحذر الجانب الأميركي بأن من الضروري التخلي عن هذه الخطط من دون أي تحفظات. وسيكون أي عمل غير شرعي باستخدام القوة، مثلما حدث قبل عام تقريباً في قاعدة الشعيرات الجوية، عدواناً ضد دولة ذات سيادة، وفقاً للمادة المعنية من ميثاق الأمم المتحدة". وعن الغوطة الشرقية، أشار ريابكوف إلى أن "الوضع الإنساني هناك تغير جذرياً ونحو الأفضل. والسكان يخرجون بعشرات الآلاف. وكل ذلك يغضب خصوم الحكومة في دمشق، وهم يبحثون عن ذرائع جديدة للهجمات علينا وعلى الجانب السوري". وخلص إلى القول إن "أي استفزازات قد تحدث في مثل هذا الوضع".

في المقابل، ذكرت مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين أن 45 ألف سوري غادروا منازلهم في الغوطة خلال الأيام الماضية، كما أن مئات الآلاف من الأشخاص "لا زالوا محاصرين جراء القتال العنيف، وهم في أمسّ الحاجة للمساعدة". وقال المتحدث باسم المفوضية أندريه ماهيسيتش، للصحافيين في جنيف، أمس، إن المفوضية لا تشارك في عملية الإخلاء في المناطق التي يسيطر عليها النظام قرب دمشق، على الرغم من أن فرقها كانت موجودة في "ملاجئ جماعية مؤقتة." وأضاف "نقص المأوى المناسب بات مصدر قلق كبير، المفوضية سلمت مواد إغاثة أساسية إلى 180 ألف شخص". ودعت المفوضية إلى "وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ومن دون معوقات إلى المدنيين" داخل وخارج الغوطة.

جاء ذلك بعدما كانت موسكو قد عرقلت، مساء الإثنين، مساعٍ لعقد جلسة في مجلس الأمن الدولي، كانت مخصصة لبحث الشأن الإنساني في سورية، إذ اعتبر نائب ممثل روسيا في نيويورك غينادي كوزمين، أنه "لا يوجد أي مبرر لهذا الاجتماع، لأن حقوق الإنسان ليست مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن". ودعت فرنسا وست دول أعضاء إلى عقد الجلسة، التي كان من المتوقع أن تشمل تقديم إفادة من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. لكن روسيا أعاقت عقد الجلسة، إذ طلبت التصويت على عقدها كإجراء متّبع على عقد الجلسة، ورفضت عقدها مع كل من الصين وبوليفيا وكازاخستان، بينما امتنعت ساحل العاج وغينيا الاستوائية وإثيوبيا عن التصويت، فيما وافقت ثماني دول على عقد الجلسة، هي، إلى جانب فرنسا، كل من بريطانيا والسويد وبولندا وهولندا والولايات المتحدة وبيرو والكويت. وكان يفترض الحصول على تسعة أصوات موافقة على الجلسة لعقدها، وهو ما لم يتحقق.

وانتقد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الانسان زيد بن رعد الحسين، مجلس الأمن الدولي لتقاعسه في "الدفاع عن حقوق الإنسان ومنع المزيد من الخسائر في الأرواح"، قائلاً إن "الصراع السوري يتسم بتجاهله المطلق لأبسط معايير المبادئ والقوانين، وإن كثيرين ممن سعوا لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان اعتُقلوا أو عُذّبوا أو قُتلوا"، معتبراً أن "مجلس الأمن لم يكن على قدر تضحيات هؤلاء الأبطال في جميع أنحاء سورية. لم يتخذ قراراً حاسماً للدفاع عن حقوق الإنسان ومنع المزيد من الخسائر في الأرواح".

في السياق، اعتبر الائتلاف الوطني السوري، في بيانٍ له أمس، أن "مجلس الأمن والمجتمع الدولي سيظلان مسؤولين عما يجري في الغوطة وعن الفشل في اتخاذ أي خطوات قادرة على وقف المجزرة المستمرة في الغوطة وفي عموم سورية"، مضيفاً: "الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، مطالبون بإيجاد حل للتعطيل الروسي المستمر والعمل على تجاوزه والقيام بإجراءات عاجلة لوقف الإبادة الجماعية الجارية في الغوطة قبل وقوع المزيد من المجازر".

المساهمون