الغنوشي في الجزائر: رسائل طمأنة

03 يوليو 2015
الصورة
يُساهم الغنوشي في تبريد الأجواء بين تونس والجزائر (الأناضول)
+ الخط -
شكّل اعتداء مدينة سوسة التونسية، الأسبوع الماضي، صدمة كبيرة للتونسيين، الذين كانوا يعوّلون على موسم سياحي واعد يُنجدهم من الأزمة الاقتصادية. وباشروا سلسلة خطوات لمواجهة العنف الذي يهزّ البلاد. وتحرّكت السلطات التونسية في أكثر من اتجاه بعد الاعتداء، كما حطّ رئيس "حركة النهضة"، راشد الغنوشي، في الجزائر، مساء الأربعاء، ملتقياً الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، لأكثر من سبب.

وتعمّد الغنوشي زيارة الجزائر لإغلاق أي ملف خلافي معها، خصوصاً بعد التوجّس الجزائري اللافت إزاء الاتفاق العسكري التونسي الأميركي، الذي استولد حالة من التأزم الصامت بين البلدين. كما استدعت من السلطات الجزائرية البحث في تفاصيل الاتفاق، وخصوصاً أن هناك إجماعاً لدى الجسم السياسي في الجزائر بأن بعض التطورات الراهنة في تونس لها امتدادات خارجية، تستهدف زعزعة استقرار الجزائر.

الغنوشي هو رجل العلاقة التونسية ـ الجزائرية بعد ثورة العام 2010، يُعدّ المحرّك الرئيس لهذه العلاقة من الجانب التونسي، بفعل علاقته الخاصة الممتدة لعقود مع بوتفليقة، التي استغلّها في اتجاه تركيز مشاركة "النهضة" في المشهد السياسي في تونس.

وكسر الغنوشي بفعل هذه العلاقة كل محاولات خصومه، أكانوا من منظومة النظام القديم أو جزءاً من حزب "نداء تونس" الرافضين للتحالف الحكومي بين النداء والنهضة، لاستبعاد الحركة من المشهد السياسي أو إقصائها ومحاسبتها على تداعيات السنوات الثلاث التي تلت الثورة.

اقرأ أيضاً تونس: الثورة في خطر أمني

هذا من جهة الغنوشي، أما من جهة السلطة الجزائرية، فتبدو متجهة إلى تركيز علاقتها مع الغنوشي بشكل يجعل من هذا الأخير رجل ثقتها الأول في تونس. وترى الجزائر أن وجود مجموعة من الشخصيات السياسية المحسوبة على بعض الفئات في "نداء تونس"، كمحسن مرزوق، رئيس الحزب والمستشار السياسي للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، يدفع بالجزائر إلى العمل على خط الغنوشي، الذي يعي في الوقت نفسه حجم وطبيعة واستراتيجية العلاقة الجزائرية التونسية، والتلازم التاريخي في الاستقرار بين البلدين. وهو عامل تستفيد منه الجزائر أيضاً.

ويصبّ المحلل السياسي الجزائري، قوي بوحنية، زيارة الغنوشي في إطار "محاولة من الأخير تقديم التطمينات اللازمة للجزائر، بعد حالة من التوجس لديها في شأن الاتفاق الأميركي". لكنه يشير أيضاً، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الغنوشي يحاول الاستقواء بالجزائر على خصومه في تونس".

ويُضيف بوحنية، أن "ما يُفسّر التعاطي الإيجابي للسلطة الجزائرية مع الغنوشي، هو حالة التوافق السياسي في الطروحات بين الغنوشي والجزائر، بشأن المقاربات المتعلقة بحل الأزمة الليبية، والدفع للحلّ السلمي بدلاً من التدخل الأجنبي الذي تدفع إليه بعض الأطراف التونسية".

وقد يكون التوافق السياسي بين الجزائر والغنوشي، من العوامل والمعطيات التي دفعت الجزائر للضغط على السبسي، من أجل إبقاء "حركة النهضة" في قلب المشهد السياسي في تونس وإشراكها في الحكم والحكومة. كما عرقلت محاولة إقصاء الحركة من السلطة، حين جرى تشكيل حكومة الحبيب الصيد، وضغطت الجزائر في هذا الاتجاه، على اعتبار أن "ذلك سيُحقق أكبر استقرار ممكن لتونس في هذه المرحلة الهشة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً". وفي إدراك الجزائر أهمية مشاركة "حركة النهضة" في المشهد السياسي في تونس، فرصة لتحقيق مزيد من الاستقرار وتقوية عود الدولة، تحديداً في ظلّ التوتر الاقليمي الحادّ الذي تخلقه الأزمة الليبية.

من جهته، يُساهم الغنوشي في تلطيف الأوضاع بين تونس والجزائر بشأن الاتفاق العسكري الأميركي التونسي، في ظلّ عدم اجراء تونس ما يُمكن أن يستهدف صلب علاقتها بالجزائر، كما يعمل على تجاوز التداعيات المتوقعة على السياحة والاقتصاد التونسيين، بعد اعتداء سوسة.

وتتطلّع تونس إلى زحف السياح الجزائريين إليها بعد شهر رمضان (منتصف يوليو/ تموز الحالي)، كبديل عن الانخفاض المتوقع للسياح الأجانب، خصوصاً بعد الأرقام المعلنة بشأن عدد الحجوزات الملغاة من قبل وكالات الأسفار الأوروبية باتجاه تونس.

ويُبدي المحلل السياسي التونسي علي الساري اعتقاده، في حديث لـ"العربي الجديد"، بأن "زيارة الغنوشي تبدو ظاهرياً لمناقشة المسائل المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها الإرهاب، بالإضافة إلى مناقشة مستقبل الحكومة التونسية، لكن الزيارة أيضاً تهدف إلى محاولة الخروج بحلّ في الملف الليبي وضمان مشاركة فعّالة للإسلاميين في مستقبل ليبيا".

اقرأ أيضاً الاستثناء التونسي: ثورة فعل مستمر للإصلاح

المساهمون