الغزو الأميركي لفنزويلا عبر كولومبيا: مغامرة أكبر من تهديد

30 يناير 2019
الصورة
المعارضون يسعون لاستمالة الجيش (لويس روبايو/فرانس برس)
+ الخط -
عملياً باتت فنزويلا حدثاً متواصلاً حتى ينكسر أحد المعسكرين: إما السلطة بقيادة الرئيس نيكولاس مادورو، أو المعارضة بقيادة الرئيس المؤقت خوان غوايدو. وفي انتظار تظاهرات المعارضة، اليوم الأربعاء والسبت المقبل، بعنوان "حثّ الجيش على الانضمام للمعارضة وإطاحة مادورو"، فإن الولايات المتحدة تعمل على الضغط أكثر على مادورو، خصوصاً في الشق الاقتصادي، على وقع إعلان غوايدو عن عزمه على السيطرة على أصول بلاده في الخارج من جهة، ورفض المصرف المركزي البريطاني السماح لمادورو، بسحب ما قيمته 1.2 مليار دولار، من مخزون بلاده من الذهب لدى المصرف من جهة ثانية، علماً أن الذهب يمثل جزءاً هاماً من احتياطي العملات الأجنبية البالغ 8 مليارات دولار، الذي يحتفظ به المصرف المركزي الفنزويلي.

ومع فرض واشنطن المزيد من العقوبات على كاراكاس، كان واضحاً أن مسألة التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، لم تعد مجرّد تخمينات أو تسريبات إعلامية لأغراض زيادة الضغط، بل انتقلت إلى مستوى ثانٍ، إذ ظهر مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، مساء الاثنين، وهو يحمل دفتراً أصفر كُتبت على ورقة منه ملاحظات تتضمن معلومة حول إرسال 5 آلاف جندي إلى كولومبيا. وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، يبدو أن "بولتون قد كشف عن الملاحظات السرية، التي تتضمن خطة لإرسال قوات برية أميركية إلى كولومبيا، في خضمّ التوتر المتصاعد في فنزويلا المجاورة". ربما يكون الأمر حصل بالخطأ، أو على العكس بقصد التمهيد دولياً لمغامرة كهذه. فهل هناك خطة أميركية فعلية تنتظر موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاجتياح فنزويلا؟ أو أن بولتون فقط يهدد بتقصد إظهار ملاحظته تلك، لإقناع مادورو بالتنحّي، وضمناً إخافة الجيش الفنزويلي؟ أسئلة وجهها الصحافيون لبولتون نفسه حول احتمالات التدخل العسكري الأميركي، فرد الأخير قائلاً: "كل الخيارات مطروحة"، داعياً "الجيش الفنزويلي وقوات الأمن لقبول انتقال سلمي وديمقراطي ودستوري للسلطة". من جهتهم، ذكر مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لـ"واشنطن بوست"، أن "وزارة الدفاع لم تتلق أي أوامر في هذا الصدد". أما البيت الأبيض فاكتفى بالقول: "كل الخيارات مطروحة على الطاولة".

وينسق الجيش الأميركي مع نظيره الكولومبي منذ سنوات، ويقدم له التدريب الذي يشمل جميع القطاعات، من مكافحة التمرد، إلى تأمين مسارح هبوط الطائرات، لكن وزير الخارجية الكولومبي كارلوس هولمز، أكد أن "حكومته لا تعلم لماذا كان بولتون يحمل هذه الملاحظات، وهي لا تعلم أهميتها وسببها"، مشدّداً على أن "بلاده ستواصل جهدها الدبلوماسي والسياسي لعودة الاستقرار الديمقراطي إلى فنزويلا".

تاريخياً، للولايات المتحدة تدخلات عسكرية عدة في "حديقتها الخلفية" من أميركا الوسطى والجنوبية، من بنما 1903، والمكسيك 1914، وغواتيمالا 1954، وكوبا 1961، والبرازيل 1964، وتشيلي 1973، والأرجنتين 1974، والسلفادور ونيكاراغوا في الثمانينيات، وغرانادا 1983، وبنما مجدداً في 1989، وهايتي 1994، وهو ما يرفع منسوب الحذر من احتمال حصول تدخل ما، ما دفع الكرملين الروسي للتحذير من "العواقب السلبية لأي تدخل عسكري أجنبي في شؤون فنزويلا"، على لسان دميتري بيسكوف، السكرتير الصحافي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. مع ذلك، فإن روسيا رأت أنها "تتوقع أن تواجه فنزويلا مشكلات في سداد ديون مستحقة لها في الموعد المحدد". وقال نائب وزير المالية الروسي، سيرغي ستورشاك، أمس الثلاثاء، إنه "من المحتمل أن تكون هناك مشكلات أمام فنزويلا. كل شيء يعتمد الآن على الجيش، وعلى الجنود، وعلى مدى نظرتهم الصائبة لخدمتهم والقسم الذي أدوه". وقال إن "فنزويلا اقترضت من روسيا ثلاثة مليارات دولار ويتعين عليها سداد نحو 100 مليون دولار مرتين سنوياً، وسيكون الموعد المقبل للسداد في مارس/ آذار المقبل".


وفي سياق الضغط الاقتصادي، فرضت واشنطن عقوبات على شركة النفط المملوكة للحكومة الفنزويلية "بتروليوس دي فنزويلا"، ويعني هذا الإجراء أن حكومة مادورو المحاصرة ستفقد أصولاً، في أحد مصادرها الهامة للدخل والعملات الأجنبية، بقيمة سبعة مليارات دولار. كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن "الولايات المتحدة حظرت جميع أصول ومصالح شركة النفط التابعة للحكومة الفنزويلية ووضعتها تحت ولايتها القضائية، فضلاً عن منعها للتعامل معها". وادّعى وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين، أن "الولايات المتحدة تحافظ على الشركة من أجل شعب فنزويلا وتتخذ إجراءات لحماية سوقها"، موضحاً أن "حجب حسابات الشركة المملوكة لفنزويلا يعني أن عائداتها لن تنقل إلى مادورو، بل إلى غوايدو". وأوضح أن "شركة سيتغو الأميركية التابعة لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (بتروليوس دي فنزويلا) ستواصل أنشطتها، شرط أن يتم إيداع عائداتها في حساب مجمّد في الولايات المتحدة".

وبعد إعلان العقوبات، ظهر مادورو على التلفزيون الرسمي ووصف القرار الأميركي بـ"الجريمة غير الأخلاقية". وقال الرئيس اليساري في خطاب متلفز: "أعطيت تعليمات محددة لرئيس شركة النفط الوطنية الفنزويلية لبدء إجراءات سياسية وقانونية للدفاع عن ممتلكات وأصول (شركة) سيتغو". وتابع "بهذا الإجراء، يحاولون سرقة سيتغو منا". وكان مادورو يتحدث خلال احتفال للترحيب بدبلوماسيين فنزويليين استدعوا من واشنطن بعد قرار فنزويلا قطع علاقتها مع الولايات المتحدة إثر اعتراف الأخيرة بغوايدو رئيساً بالوكالة. وقال مادورو "سنرد بالمثل"، من دون توضيح حقيقة الردّ. وترك الباب مفتوحاً لحوارٍ مع المعارضة بالقول: "أقول مرة أخرى، أنا مستعد من أجل فنزويلا للبدء بجولة مفاوضات مع المعارضة الفنزويلية بأكملها، حيث يريدون ومتى يريدون وكيفما يريدون".

وردت "بتروليوس دي فنزويلا" (بي.دي.في.إس.إيه) على العقوبات بأن طلبت من العملاء الذين تنتظر ناقلاتهم لتحميل الخام المتجه إلى الولايات المتحدة دفع ثمن الشحنات مقدماً، وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة على القرار. وتلك المدفوعات المقدمة قد تشكل انتهاكاً للعقوبات، وهو ما يفسح المجال أمام مواجهة في الموانئ. وخسارة الإيرادات من الولايات المتحدة، أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، ستقوض بالتأكيد قدرة الحكومة على استيراد السلع الأساسية، مثل الأغذية والأدوية، ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة إنسانية دفعت ما يزيد على ثلاثة ملايين شخص إلى مغادرة البلد الذي يعاني من تضخم جامح في السنوات الأخيرة. وقال مدير شركة "إيكوانالاتيكا للاستشارات"، ومقرها كاراكاس، أسدروبال أوليفيروس، إنه "إذا لم تجد مكاناً لذلك الخام سريعاً، فإن مجال المناورة سيتقلص وستتأثر الواردات".

من جهته، أكد غوايدو في بيان نشره على "تويتر"، أنه "من الآن فصاعداً، نبدأ السيطرة بشكل تدريجي ومنظم على أصول جمهوريتنا في الخارج، لمنع المغتصب وزمرته من محاولة التصرف بها". ودعا إلى التظاهر من جديد، اليوم الأربعاء، "لمطالبة القوات المسلحة بالوقوف إلى جانب الشعب"، ومن ثمّ السبت، "لمواكبة دعم الاتحاد الأوروبي والإنذار" الذي حدده لمادورو. وأمهلت ست دول أوروبية (إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والبرتغال وهولندا) مادورو ثمانية أيام للدعوة إلى انتخابات، وإلا فانها ستعترف بغوايدو رئيساً. وتنتهي هذه المهلة الأحد المقبل. أما الاتحاد الأوروبي فقد لوّح بتهديد غير واضح، مؤكداً أنه "سيتخذ إجراءات إذا لم تتم الدعوة إلى انتخابات في الأيام المقبلة، بما في ذلك الاعتراف بقيادة البلاد". وجاءت تصريحات غوايدو بعد سقوط 40 قتيلاً وتوقيف 850 شخصاً خلال أسبوع من التظاهرات، بحسب حصيلة جديدة أفادت بها منظمات غير حكومية، وفي وقت اتُّهمت قوات الأمن بإعدام ثمانية أشخاص "من دون محاكمة". وتخوّف البابا فرنسيس، يوم الإثنين، بعد عودته من زيارة لبنما، من أن "تغرق الأزمة السياسية المتفاقمة فنزويلا في حمام دم". أما الأمم المتحدة فأكدت أن "أمينها العام أنطونيو غوتيريس لا يملك السلطة ولا يجوز له الاعتراف بزعيم المعارضة في فنزويلا خوان غوايدو رئيساً مؤقتاً للبلاد".


المساهمون