العيد والمعركة الفاصلة

العيد والمعركة الفاصلة

27 يونيو 2017
الصورة
+ الخط -
الأعياد لحظة فارقة في حياة المؤمنين الصادقين، وقد جعلها الله محطةً لعباده لكي يستثمروها جيداً، ويعيدوا من خلالها ما تهرّى من علاقاتهم، وما تسمّم من أجوائهم، وما تآكل من عواطفهم، وما ذبل من زهورهم، وما فسد من سلوكهم. إنها لحظة العودة إلى الذات، قبل أن تنخرها الأنانية والمصالح الضيقة والشهوات العابرة بمختلف أشكالها، شهوة الرغبة والجنس والمال والسلطة والجاه والحسد والانفراد بالمجد.
على الرغم من ذلك، يستمر العرب في خيانة أعيادهم، يحتفلون بها من دون روحٍ ولا وعيٍ ولا إخلاص. الوجوه مبتسمة والقلوب سوداء، الألسنة رطبةٌ والخناجر مخفيةٌ وراء الملابس الخلابة. وإذا كان سكان مدينة البندقية الإيطالية لا يزالون ينظمون حفلات الأقنعة التي تخفي وجوه المشاركين والمشاركات، فإن مسلمين كثيرين يفعلون الشيء نفسه في كل عيد، حيث يخفي الظاهر ما هو مخزون في الباطن، كأنهم في كرنفالٍ يستعدون فيه للانقضاض على بعضهم بعضا في الليلة الموعودة.
احتفل عربٌ كثيرون بالعيد، كما لو أنهم لم يصوموا شهر رمضان المعظم. العبادة عندهم أصبحت بلا طعم ولا روح ولا قيم ولا أجر. انفصل عندهم الدين عن الواقع، وتكاد تنقطع الصلة كليا بين الكلمات والأفعال. وعندما يحصل ذلك، تكون الأزمة القيمية والمجتمعية قد بلغت أقصاها، لأن الخيانة تصبح عملةً رائجة، ويصبح الحذر الدائم من كل من يحيطون بك شرطا أساسيا من شروط الحفاظ على البقاء.
ليس هذا القول تضخيما أو تهويما، إنه واقعٌ معاش، وما على من لديه شك في هذا الأمر إلا أن يلقي نظرة متفحصة على الواقع المعاش. هي حالةٌ عامةٌ لا تقتصر على كثير من الأفراد والأسر والقرى والمدن والعشائر والقبائل. إنها تشمل أيضا أنظمة الحكم والدول والشعوب والبلدان. إذ كما أن جزءاً من الأراضي العربية أصبح مسكونا بالألغام المدفونة تحت الأرض، فكذلك العلاقات العربية العربية تكاد تصبح غير قابلة للإصلاح، بحكم التحولات المفاجئة والجذرية التي تمر بها، والتي قد تنقلب من النقيض إلى النقيض، لأسباب مختلفة.
تدل كل المؤشرات على رغبة مفضوحة لوأد الأمل الذي دغدغ الشعوب العربية ونخبها بشأن احتمال مغادرة مربع الاستبداد الذي طبع تاريخ هذه المنطقة منذ قرون طويلة. لم يرحب كثيرون بأصوات الجماهير التونسية، ثم المصرية والليبية واليمنية التي غطت الساحات، مطالبة بالحرية والكرامة. كانت هذه الأصوات مزعجة لكثيرين، أشعرتهم بالخوف. ولهذا، تعدّدت المناورات والمحاولات، من أجل قطع الطريق أمام ربيع عربي، كان في حالة تشكل، لولا موجات العنف التي اجتاحت هذه الدول وغيرها. لم تكن الرغبة في الديمقراطية وسيادة القانون وتحكيم الشعوب أمرا مقبولا من الأطراف التي كانت تتحكّم في الرقاب والشعوب خلال مراحل طويلة. لهذا السبب، تدفقت الأموال بدون حساب، وتقاطعت المصالح بين الأضداد، وتحول القتل والقصف والعنف مشاهد يومية، يستهلكها المواطنون العرب في كل لحظة وكل ساعة. كان شتاءً داميا وقاسيا ومرعبا، ذهب ضحيته ملايين المدنيين بين قتلى وأسرى ومهجّرين. زلزال في الاتجاه المعاكس.
كانت كلمة السر كانت ولا تزال: اقتلوا الجنين قبل أن ينمو ويكسوه اللحم، وتصبح له عضلات وأنياب. وحتى يتحقق ذلك، لابد من تجريم الحرية مرة أخرى. الإعلام الحر رأس الأفعى، فلا تتركوه يستقل بذاته، أو يبني قواعده بهدوء. إنها فرصةٌ لتصفية ما تم إنجازه وبناؤها خلال المرحلة الأخيرة، وإذا كان الطلب من قبل قائما على التخفيف من وطأة هذه الألسنة والأقلام المنطلقة من دون قيد أو حساب، فإن الرغبة اليوم في الاستئصال الكامل أصبحت صريحةً وعلنيةً ومستفزة .
في ضوء تقارير دولية، وفي ضوء ما يجري، وفي ضوء تصريحاتٍ وتسريباتٍ عديدة، هناك إرادة فعلية وقوية لإعادة صياغة المنطقة من أجل السيطرة عليها مجدّدا. ممنوع الانتقال إلى الديمقراطية والحرية. فهل سينجح المخطط؟ وهل تستطيع القوى الراغبة في التغيير أن ترصّ صفوفها، وأن تصمد إلى حين؟ علينا الانتظار قليلا لتحديد اتجاهات الريح.