العودة إلى المزار أمل لا يموت

15 مايو 2017
الصورة
قريته خلف الجدار (فرانس برس)
+ الخط -
ينهمك الحاج ياسين أحمد السعدي، أبو سامر (72 عاماً) بين الحين والآخر بجمع وترتيب ما لديه من أوراق تثبت نسب عائلته، التي تشكل جميع سكان أهالي قريته المزار. هذه القرية - العائلة هجّرت في عام النكبة 1948. يحرص أبو سامر على الاحتفاظ بوثائق القرية ويسعى إلى ترسيخ حبّ الأرض في أبنائه وأحفاده، ومعرفة كلّ شيء عن قريتهم بأمل العودة إليها.

في محله البسيط في مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، حيث يعمل خياطاً منذ أكثر من 50 عاماً، يعلق الحاج ياسين السعدي شجرة العائلة والنسب، وعلى مقربة منها صورة الشهيد الشيخ فرحان السعدي الذي أعدمته القوات البريطانية في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1937 الموافق 29 من رمضان. كان رمزاً للمقاومة وبقي مصدر فخر لكلّ أبناء عائلة السعدي، يذكرونه في كلّ مناسبة، ويحفظ الكثير منهم تاريخ مقارعته المحتل البريطاني وكيف أصبح قائداً لأول تنظيم فلسطيني مسلح، وخلف الشيخ السوري عز الدين القسام في قيادة مجموعات المقاومة عقب استشهاد القسام.

أبو سامر الذي يسكن مع عائلته المؤلفة من 11 ابناً، في جنين أيضاً، يتميز بعلاقاته الاجتماعية، زرع حبّ المزار في أحفاده الستة والثلاثين. نقل الكثير من معرفته بالمزار عن عمه الراحل "البيك" عبد الكريم السعدي، الذي كان مختاراً للقرية احتفظ بوثائقها وبياناتها الفردية وأنسابها.

يستذكر الحاج أبو سامر ما رسخ في ذاكرته من الحياة الاجتماعية في المزار، ويقول لـ"العربي الجديد": "كانت قريتنا معطاءة تحب الخير، كما بقية القرى المجاورة، تحب التعاون وتقدم الخير للآخرين، كان الجميع يسمع رأي المختار وتطيعه القرية، فكلامه مقدس بالنسبة للجميع".


بالرغم من أنّ الحاج ياسين كان لا يتجاوز عامين يوم النكبة حين هجّرت قريته واستشهد والده على أيدي الإنكليز قبل النكبة، إلاّ أنّه لن ينساها إكراماً لها، ووفاء لعائلته، وسوف يعلّم كلّ شيء عنها لأبنائه وأحفاده، فإن ذهب جيل وجاء جيل تبقى لديه معلومات عن القرية.

لن ينسى أبو سامر زياراته المتكررة للقرية مع بعض أقاربه ووالدته في سبعينيات القرن الماضي حين كان الصهاينة يسمحون بدخول المناطق المحتلة عام 1948 من دون تصاريح. المزار جبل يطل على مرج بن عامر وبيسان والأغوار وجنين كما يقول.

أما الحاج سليمان أمين السعدي، أبو أيمن (71 عاماً) فما زال حب المزار كما بقية العائلة راسخاً في قلبه. يسكن في حي حليمة السعدية في مدينة جنين، في جبل مفتوح على قريته البعيدة. يجلس كثيراً على سطح منزله لهذا السبب، كما يقول لـ"العربي الجديد"، فيرى القرية التي ما زالت مزروعة بالأشجار الحرجية، بينما يحيطها الجدار الفاصل منذ إقامته قبل 14 عاماً".

سكنت عائلة أبو أيمن في قرى مجاورة للمزار على أمل العودة، ثم انتقل مع غيره للعيش في مدينة جنين ومخيمها. أبو أيمن لن ينسى أنّ عائلته تملك مئات الدونمات التي اغتصبها الصهاينة. دفعه حب المزار إلى زيارة القرية في ستينيات القرن الماضي حينما كان يعمل بالزراعة في الداخل، ورأى للمرة الأولى المنازل التي هدمها الصهاينة بعد احتلالهم الضفة الغربية عام 1967. دخل أبو أيمن القرية مع والده، ورأى هناك الأراضي وعين الماء، وبقي يكرر زيارتها حتى زمن الانتفاضة الأولى عام 1987، فقد منع الاحتلال بعدها أهالي الضفة من الدخول إلاّ بتصاريح.

المزار التي حولها الاحتلال إلى محمية طبيعية ومزارع للأبقار، وبنى في محيطها عدداً من المستوطنات، لن ينساها أبو أيمن الذي أنجب 11 ابناً، وله من الأحفاد واحد وثلاثون. يقول: "إن سمح لي بالعودة الآن فسوف أعود، وأبيع منزلي في جنين وأذهب للعيش في المزار، لا أحد ينسى أرضه، ولن أنسى بساطة العيش في المزار التي حدثني عنها والدي. سأبقى أحدث أبنائي وأحفادي عن المزار. الصهاينة احتلوا أرضنا وقريتنا لكنهم لن يستطيعوا أن ينزعوها من قلوبنا".

بالرغم من مضيّ 69 على النكبة، إلاّ أنّ أبو أيمن ما زال متماسكاً ومتشبثاً بعلاقاته الاجتماعية في عائلته التي تمثل جميع سكان المزار، شأنه شأن غالبية أفراد العائلة التي حرصت على التماسك بعد النكبة كأسرة واحدة، وما زالت تربطها العلاقات الاجتماعية في كلّ المناسبات.

قبل نحو 800 عام، جاء الشيخ كمال الدين السعدي المتحدر من قرية جبا بمحافظة القنيطرة السورية وهو ابن الشيخ سعد الدين الشيباني، ليعيش مع أبنائه الأربعة في جبل المزار. ثم تفرّع من العائلة عشرون فرعاً بعضها سكن في نابلس، شمال الضفة الغربية منذ القدم. ومن العائلة من عرف بآل سعد الدين بدلاً من السعدي. منذ ذلك التاريخ حتى عام النكبة بقيت العائلة الممتدة في أرضها حتى نزعها الاحتلال الصهيوني منها.

المساهمون