العودة إلى أجواء ما بين الحربين

العودة إلى أجواء ما بين الحربين

06 نوفمبر 2018
الصورة
+ الخط -
هل يمكن أن تحصل ردّة على الصعيد العالمي؟ بصيغة أخرى، هل يمكن أن تعود عقارب الساعة إلى الخلف، ويستعيد العالم أوضاعا ظنّ الجميع أنها قد ذهبت بدون رجعة. قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن "الأجواء التي تعيشها أوروبا حاليا تشبه تماما الأوضاع في حقبة الثلاثينيات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، من حيث الانقسام والانغلاق القومي وتبعات الأزمة الاقتصادية". وأضاف، في حواره مع صحيفة ويست فرانس، إنه يشعر بالذهول "لمدى التشابه بين الوقت الذي نعيشه وزمن ما بين الحربين"، قائلا "يجب أن يبقى ذلك ماثلا في أذهاننا، أن نكون واضحي الرؤية، ونعرف كيف نقاوم الأمر"، من خلال "نشر الزخم الديمقراطي والجمهوري". واعتبر ماكرون أن أوروبا اليوم "تواجه خطر التفكّك بسبب آفة القومية، وأن تثير قوى خارجية البلبلة فيها، وأن تخسر بالتالي سيادتها، أي أن يتوقف أمنُها على الخيارات الأميركية وتبدلاتها، وأن يكون للصين حضورٌ متزايدٌ في البنى التحتية الأساسية، وأن تميل روسيا أحيانا إلى التدخل، وأن تتخطّى المصالح المالية ومصالح الأسواق الكبرى أحيانا مكانة الدول".
لا يتوقف ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي على أوروبا فقط، وإنما يشمل أيضا المنطقة العربية، بحكم ارتباطها الوثيق بالمجال الجغرافي والحيوي نفسه، فعندما تنهار الديمقراطيات الأوروبية وتفقد فعاليتها، ويتمكّن أقصى اليمين من الصعود إلى الحكم في عديد من دول المتوسط، فذلك من شأنه أن يدفع نحو مراجعة العلاقة بدول الجنوب وفق أسس مغايرة للقيم التي ناضلت الشعوب، من أجل المطالبة باحترامها عبر القوانين، وفي المعاهدات الدولية والاتفاقيات الثنائية.
يتغير العالم في الاتجاه الأسوأ، وكأن النظرية القديمة التي ردّدها كل الثوار والتقدّميين عندما اعتقدوا بأن حركة التاريخ تتقدّم في اتجاه سهمي، وأن البشرية قد تُصاب بالنكسات، وتُبتلى بالحروب والنزاعات، لكن النتيجة النهائية تكون في صالح التقدّم. تهتز هذه النظرية المتفائلة هذه الأيام تحت وقع الانعزاليين والعنصريين الذين يبثّون مشاعر الكراهية، ولا يرغبون في الانفتاح على الآخرين، ويرفضون بعنف الآخر المختلف معهم. يريدون الثروة لأنفسهم فقط، ويعتقدون أن الديمقراطية لم يعد لها معنى ولا ضرورة. وفي المقابل، يشجعون على ابتزاز الشعوب الفقيرة والاستمرار في استعمارها اقتصاديا. المهم أن يبقوا هم الأسياد، والباقون يجب أن يخضعوا لإرادة الأقوى، ويرضوا بالقليل، ويسكتوا عن حقوقهم، ويقبلوا بالنظام الدولي المختل والقائم على التحيّل والتفوق الدائم.
شاركت أخيرا في المنتدى الثالث لحركة حقوق الإنسان الذي عقد في تونس، بمبادرة من مركز القاهرة لحقوق الإنسان. ومن الأسئلة الحارقة التي طرحت هذا اللقاء، وتمحورت حولها الجلسة الختامية: هل ما زال العالم في حاجة لحقوق الإنسان؟ وهو سؤال مطروحٌ في كثير من أصقاع الأرض، بدءا من أوروبا وأميركا اللاتينية مثل البرازيل التي انتخبت أخيرا رئيسا مناهضا للقيم الإنسانية الحديثة، وصولا إلى اليابان وأميركا وغير ذلك كثير.
هناك شعور بالضيق من التعدّدية، وهناك منعطف خطير في اتجاه تمجيد الأنا الفردية والأنا العرقية، وهو ما من شأنه أن يجعل من انتهاك حقوق الآخرين سلوكا شائعا ومحمودا، إذا كانت نتيجته الحيلولة دون مشاركة السود والأجانب الثروات المحلية والمعارف العلمية والرأسمال العالمي والأسواق المهمة.
قد يبدو في هذا الخطاب نوع من المبالغة والتضخيم. هذا ما كنا نعتقد، لكن بحكم أن الشهادات تتواصل، والعنف يزداد في العالم، والسياسات تنزلق نحو هذا المنحدر، فإن ما كان مستبعدا من قبل أصبح اليوم جاثما أمام عيون الجميع.
مع ذلك، هناك من يقاوم قوى الردّة. وفي مقدمة ذلك أطراف من المجتمع المدني العالمي التي هي الآن بصدد تجميع صفوفها من جديد، لتتصدّى للشركات العملاقة ولقوى اليمين المحافظ الذي يغذّي نفسه سياسيا عبر التخويف من الإسلام ومن الفقراء وأهل الجنوب. الديمقراطيات الكلاسيكية في خطر، لأن أزمتها تحتد يوما بعد يوم، لكن المؤمنين بأن مستقبل الإنسانية يكمن في التنوع والتعايش والسلام لم يستسلموا حتى الآن.