العنف الأسري... قانون جديد لحماية الضحايا في فرنسا

29 يوليو 2020
الصورة
المرأة عرضة للعنف أكثر من الرجل (مهدي طعم الله/ Getty)

يمثل قانون جديد مرّ من غرفتي البرلمان الفرنسي، أملاً جيداً لضحايا العنف الأسري، لا سيما النساء وهن الأكثرية في هذا المقام، وإن مع بعض الشوائب التي تحتاج إلى مزيد من العمل لتحقيق إمكانية الردع المناسبة والإحاطة بالضحايا

في الوقت الذي تقدمت به النائبة عن حزب "الجمهورية إلى الأمام" الحاكم في فرنسا، بيرانجير كويّار، باقتراح قانون لحماية ضحايا العنف الأسري، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كانت مجموعة من الناشطات المختصات بمراقبة وإحصاء جرائم القتل بحق النساء تتهيأ لإصدار الحصيلة السنوية الخاصة بـ2019. وبحسب هذه المجموعة، التي تنشط تحت اسم "القتيلات على يد الشريك الحالي أو السابق" فإنّ 149 امرأة تعرضن للقتل خلال 2019 من قبل شريكهنّ الحالي أو شريك سابق. يمثّل هذا الرقم ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بعام 2018، وفيه وصل عدد النساء القتيلات إلى 121، في بلد تتعرض فيه، كلّ سنة، أكثر من 213 ألف فرنسية لمختلف أنواع العنف من قبل شركائهن الحاليين أو شركاء سابقين، بحسب تقرير لوزارة الداخلية.

وإذا كان العزل الصحي، الذي عاشته فرنسا بين منتصف مارس/ آذار ومنتصف مايو/ أيار الماضيين، بسبب انتشار فيروس كورونا الجديد، ومحاولات احتوائه، قد ساهم، في ما يبدو، في تخفيض عدد جرائم قتل النساء مقارنة بالعام الماضي (وهو أمر تشرحه ناشطات بارتباط لحظة القتل عادةً بلحظة مغادرة النساء منزلهن)، فإنّه تَسَبَّب، في الآن نفسه، بزيادة البلاغات عن التعرض للعنف الأسري بما نسبته 30 في المائة في مختلف أنحاء البلاد.
هذا هو السياق الذي يأتي فيه اعتماد مجلسَي النواب والشيوخ، قبل أيام قليلة، اقتراح القانون الهادف إلى حماية ضحايا العنف الأسري، والذي صاغته النائبة كويّار وزملاؤها انطلاقاً من الخلاصات التي توصلت إليها محادثات الحكومة، نهاية العام الماضي، مع الجمعيات والمؤسسات الناشطة في هذا المجال. قانون تقول إيميلي، إحدى منسّقات جمعية "بوتان دي غيريير" لمساعدة ضحايا العنف الأسري، إنّه "كان منتظراً منذ زمن". لا تخفي إيميلي، وهي، مثل كلّ منسقات ومنسقّي هذه الجمعية، ضحية سابقة للعنف الأسري، سعادتها لانتقال الموضوع من خانة التعاطف والحديث الإعلامي إلى خانة الأفعال الملموسة. لكنّها لا تتحفظ فقط على مقاربة الحكومة النظرية للموضوع وعلى استخدامها الملف لمآرب سياسية، بل أيضاً على إحدى مواد القانون، والتي تسمح للأطباء بخرق مبدأ السرية الطبية والإبلاغ عن حالات عنف أسري ترقى إلى تهديد حياة الشخص المعنّف. تعلق: "من الصعب جداً للشخص المعنّف الحديث عن العنف الذي يتعرض له. هو يخاف من تبعات ذلك على سلامته الشخصية. كان الطبيب يمثل الملجأ الأخير تقريباً لكثير من النساء اللواتي يردن الكشف عن معاناتهن وطلب المساعدة. تخويله الإبلاغ عن حالتهن، من دون إطلاعهن على ذلك ومن دون التحدث إليهن بالموضوع، يزيد الأمر سوءاً بدلاً من حلّ المشكلة".
مثل إيميلي، تنتقد لويز دولافييه، من جمعية "أون آفان توت" هذا التدبير، لكن لسبب آخر، أنّها ترى فيه انتقاصاً من قدرة النساء في تقدير أوضاعهن وفي اتخاذ قرار مثل قرار الإبلاغ عن التحرش أو العنف الذي يتعرضن له.
ومن التدابير الأساسية التي يأتي بها القانون الجديد أيضاً، تجريم التحرّش والعنف الذي يقود الشريك الآخر إلى الانتحار أو إلى محاولة الانتحار، إذ بات ممكناً لعقوبة الحبس أن تصل إلى 10 سنوات، وإلى المخالفة المالية أن تصل إلى 150 ألف يورو. كذلك، يشدّد التشريع عقوبة تتبّع الشريك رقمياً والتنصّت أو التجسس عليه وتحديد موقعه. ويلغي تدابير كان معمولاً بها وكانت تشكل موضوعاً لنقد الجمعيات المختصة، مثل توسط القضاء بين الطرفين، والذي كان يؤدي إلى جمع الضحية مجدداً مع معنّفها - وهو أمرٌ غالباً ما يعيد الضحايا إلى دائرة العنف وترى فيه الجمعيات الناشطة احتضاناً قانونياً للمجرم. كذلك، يخصص قانون العنف الأسريّ الجديد عدداً من الإجراءات لحماية الأطفال في سياق العنف الأسريّ، أبرزها تعليق سلطة الوالد المعتدي ومنعه من زيارتهم أو حضانتهم.
يضاف إلى هذا، الاعتراف بالبعد النفسي للعنف الأسري، لا سيما مفهوم النفوذ أو التأثير، الذي يصف تأثير مرتكب العنف نفسياً على ضحيته. ويشكل هذا المفهوم إحدى ركائز العنف الأسري، لكنّه بالرغم من ذلك من أكثرها إهمالاً من قبل السلطات. تعلق إيميلي: "تذهب المرأة المعنفة إلى الشرطة لتشتكي، فتشعر أنّها تعاقب على شكواها. يقول لها عناصر الشرطة: لا نستطيع مساعدتك لأنّك لا تملكين دليلاً محسوساً، بل يشكّون أحياناً في مصداقيتها. هم يعتقدون أنّ العنف الأسري عنف جسديّ فحسب. لكن، يمكن للعنف أن يكون نفسياً، أو جنسياً أو اقتصادياً. والاعتراف بسيطرة المعتدي على ضحيته نفسياً خطوة إلى الأمام".
بالرغم من أنّ القانون الجديد معنيّ بحماية ضحايا العنف الأسري، نساءً كانوا أم رجالاً، فإنّ واقع العنف على الأرض يجعل منه تشريعاً موجهاً لحماية النساء قبل غيرهن، حيث يمثلن النسبة الساحقة من ضحايا العنف الأسري سنوياً. وعلى سبيل المثال، فإن 81 في المائة من ضحايا جرائم القتل الأسري كنّ نساء عام 2018، وتبلغ هذه النسبة أكثر من 94 في المائة عام 2017.

لكنّ هذا لا يعني عدم تعرّض الرجال، بدورهم، لعنف من قبل شريكاتهم، إذ وصلت نسبة الرجال الذين الذين لقوا حتفهم على يد شريكاتهم خلال سنة 2016 إلى أكثر من 21 في المائة من المجموع العام لضحايا العنف الأسري القتلى. وبحسب إحصائية أقدم، فقد بلغ عدد الرجال الذين تعرضوا للعنف من قبل شريكاتهم بين عامي 2012 و2013 نحو 150 ألفاً، في حين قارب عدد النساء المعنفات من قبل شركائهن، في الفترة نفسها، أربعمائة ألف امرأة. ويرى مراقبون أنّ قلة الحديث والنشاط القانوني حول العنف الأسري الذي يعاني منه الرجال يعود إلى قلة لجوء الأخيرين إلى تقديم الشكاوى، إذ لا يتقدم إلا 3 في المائة من الرجال ضحايا تعنيف شريكاتهم بشكوى، في حين يرتفع هذا العدد إلى 10 في المائة بين النساء. في المقابل، تشير أرقام وإحصاءات رسمية وأخرى تقدمها جمعيات ناشطة إلى أنّ نسبة لا بأس بها من حالات العنف ضد الرجال يسبقها عنفٌ كان هؤلاء الرجال يقومون بها ضد شريكاتهم.