العنصرية تتصاعد في إسكندنافيا... والدنمارك في الصدارة

26 سبتمبر 2016
الصورة
ترتفع التعابير العنصرية ضد المسلمين في الدنمارك (العربي الجديد)
+ الخط -
في الاجتماع السنوي لحزب "الشعب" اليميني المتشدد في الدنمارك قبل أيام، وقفت عضو الحزب، شيني نيلسن، على منصة الخطابة لتقول بشكل واضح: "لماذا يجب أن ينجح هؤلاء الأجانب؟ فلديهم حق المأوى والإنفاق من أموال الدولة بمجرد أن يحضروا إلى البلد. ملوثون ومخادعون وسارقون ومغتصبون وقتلة. إنهم يشوهون الدنمارك". لم يهدأ التصفيق وصيحات الترحيب من قبل قيادة وأعضاء في الحزب.
وحين تناولت النائبة البرلمانية عن الحزب، مارلينا هاربسو، قضية المهاجرين، ذهبت إلى حد القول: "هؤلاء (المهاجرون) يفضّلون البقاء عالقين هنا على أن يعودوا إلى بلادهم مرة أخرى. يلعبون لعبة القط والفأر حين يحين موعد ترحيلهم أو أنهم يصرخون: لا نريد العودة فمواثيق حقوق الإنسان تقول إنه يمكننا البقاء. إذا ما استطاع هؤلاء السير كل هذه المسافة ليصلوا إلينا، أقترح اعطاءهم أحذية رياضية ليرحلوا".
تصريح هاربسو لم يثر انقسام الطبقة السياسية والجمهور في الشارع، مثلما فعلت نيلسن التي أسقطت على رأس المجتمع كلمات لم يحتملها حتى بعض أحزاب اليمين والوسط والليبراليين، إضافة إلى اليسار. تصريحات وُصفت بـ"العنصرية" في بعض وسائل الإعلام، بينما تجنّبت أخرى وصفها كذلك. رئيس حزب التحالف الليبرالي، اليميني الوسطي، أندرس صموئيلسن، كتب معقباً: "لو كانت نيلسن في مؤتمر لحزبنا لما سُمح لها أن تتحدث بهذه القسوة عن الأجانب. ولو كانت عضواً في حزبنا لجرى طردها فوراً، وحتى هؤلاء الذين صفقوا لها كانوا سيلحقون بها". صموئيلسن، وعلى الرغم من أنه من اليمين الوسطي، وكان قد دعم تشديد القوانين في موضوع الهجرة، إلا أنه عبّر باختصار عن حالة عدم رضا من التعبيرات العنصرية المنفلتة أكثر فأكثر في الشارع الدنماركي.
أما حزب نيلسن، "الشعب" الدنماركي، فلم يرَ مشكلة في كلامها، فـ"هي كلمة جيدة ولا أظن أنها ستؤدي إلى اتخاذ أية إجراءات بحقها"، وفق ما قال عضو البرلمان عن الحزب، مارتن هنريكسن. هنريكسن، النجم الصاعد في الحزب، لم يرَ مشكلة إلا من زاوية أنه "لا يجب أن تقول كل الأجانب"، وهو الذي قال بنفسه أشياء كثيرة عن المسلمين ومن بينها التالي: "إذا كان هؤلاء الرجال غير قادرين على وضع شرفهم خلف ظهورهم، فالدنمارك ستضعهم وراءها. ونحن سنفرح حين يسلم هؤلاء الرجال للتعذيب والاضطهاد السياسي، ذلك أقل ما يمكن فعله". وبعد الانتقادات من معظم الأحزاب لهذا التصريح من هنريكسن، أغلق صفحته الإلكترونية، لكن الحزب لم يحرك ساكناً. فزعيمة الحزب آنذاك، بيا كيرسغوورد، وهي اليوم رئيسة البرلمان، لم ترَ شيئاً مخالفاً في دعم التعذيب. حزب الشعب بنفسه يقول صراحة إن "العرب لا يستحقون سوى صدام والأسد والقذافي"، كما صرح البرلماني سورن أسبرسن، أحد قادة اللوبي الصهيوني في الشمال.
ولم يتوقف الأمر عند التصريح، بل إن "حزب الدنماركيين" اليميني المتطرف، قام بتوزيع "بخاخات اللجوء" في مدينة هاديرسلو جنوب البلاد. الحملة التي قام بها الحزب القومي المتطرف هي جزء من حملته لمحاولة جمع تواقيع الترشح إلى الانتخابات البرلمانية، ووجدت ردود أفعال متباينة من المارة. بعضهم قال إن "الذي يجري في بلدنا هو قذارة لا يمكن تحملها بحق الذين جاؤوا طلباً للحماية"، بينما ذهب آخرون إلى اعتبار أن هذا الأمر "جيد ويعبّر بشكل ممتاز عن مواقفنا، فهؤلاء (اللاجئون) يجب أن نحمي أنفسنا منهم في هذه الأوقات". وكانت قد تعالت أصوات تطالب بتسليح الدنماركيين، وتزعمت رئيسة البرلمان، بيا كيرسغوورد، حملة "توزيع بخاخات رذاذ الفلفل مجاناً على المواطنين للدفاع عن أنفسهم".
الخطاب اليميني، والذي يحمل نفَساً عنصرياً، وفق تعريف معظم الطبقة السياسية الدنماركية لهذا النوع من التصريحات، تصاعد بشكل كبير خلال السنوات الـ15 الأخيرة، ومعه تكمن مفارقة تصاعد شعبية حزب "الشعب" حتى وصل إلى الحزب البرلماني الأكبر، وفق استطلاعات الرأي العام الماضي، متجاوزاً يمين الوسط واليسار.
تلك التصريحات تعيد طرح الجدل حول المادة 77 من الدستور، التي تكفل حرية التعبير، والحديث عن سلسلة طويلة من النعوت العنصرية، التي يحاكم عليها قانون العقوبات 267 (متعلق بتشويه السمعة) و" 266 باء"، والذي يُعرف بقانون "العنصرية" وعقوبته بمخالفات مالية وقد تصل إلى السجن لعامين. يستند مطلقو شعارات وتصريحات عنصرية إلى ما يكفله الدستور، وتقديس الدنماركيين لحرية التعبير، وإلى المادتين 10 و14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وما تحملانه من ضمانات في المجال.
منذ العام 1985 جرى تنفيذ قانون 266 المتعلق بمكافحة العنصرية، وذلك في قضية أثارت الرأي العام، حين قام صحافي من التلفزيون الدنماركي بإجراء مقابلات مع مجموعة "السترات الخضر" (مجموعة عنفية عنصرية) وتصريح أعضائها بكلمات تحط من قيمة المهاجرين. حُكم على ثلاثة من أعضاء المجموعة إلى جانب الصحافي ومدير التحرير بتهمة بث بروباغندا عنصرية، لكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أسقطت الحكم، معتبرة إياه خرقاً لحق التعبير.


لكن سياسياً وثقافياً، يعتبر كثيرون أن انتشار التعابير العنصرية "يشكّل خطراً على المجتمع"، مثلما قال حزب "اللائحة الموحدة" اليساري في تعقيبه على القضية الأخيرة. وعرفت الدنمارك، وخصوصاً في الجانب المتعلق بمؤيدي حزب "الشعب"، ومثقفي اليمين المتشدد، جملة من التصريحات العنصرية المتزايدة منذ أكثر من عقدين.
مؤسس الحزب، الراحل موينز غليستروب، عُرف كأشهر مهاجم للمهاجرين، وخصوصاً العرب منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي العام 1987 قال غليستروب في مقابلة إذاعية: "بطبيعة الحال فالإرهابيون الإسلاميون من منطقة الشرق الأوسط لا يحتاجون للحضور إلى بلدنا للقيام بطعن بعضهم بالسكاكين والفؤوس وافتعال الحرائق. هؤلاء كالجرذان في المجاري". لم يجرِ تقديم غليستروب إلى أية محاكمة، على الرغم من الجدل الذي أثارته تصريحاته، إلا أنه نجا منها لأن "حرية التعبير تضمن له التصريح حتى في وسائل الإعلام"، وفق ما تحججت به النيابة العامة.
استمرت تصريحات غليستروب كأحد أهم مراجع التطرف اليميني في البلاد، حتى وصل في العام 1997 إلى التصريح في لقاء مع القناة التلفزيونية الثالثة بأن "المجرمين في العالم هم المسلمون، وأي دارس للمحمديين يعرف أنهم يوحون بأنهم ضعفاء إلى أن يتمكنوا ويعدمونا جميعا". بعد عامين، في العام 1999، حكم عليه بأسبوع مشروط بحضوره إلى مركز الشرطة والتوقيع على الحضور "بسبب تصريحاته العنصرية"، وفق ما ثبتت المحكمة العليا. استمرت تصريحات غليستروب العنصرية، بما فيها "يجب وضع المسلمين في معسكرات اعتقال، ويجب بيعهم لمن يدفع أكثر"، حتى وفاته عام 2008.
أما مدير مؤسسة "حرية المطبوعات"، لارس هيداغورد، فارتبط اسمه بأزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد. وفي هجوم كوبنهاغن، في فبراير/شباط 2015، اعتبر نفسه المستهدف مع السويدي لارس فيلكس. تاريخ هيداغورد مع النعوت العنصرية لا يوجد مثيل له في بقية الدول الإسكندنافية. أطلق هيداغورد أحد أكثر التصريحات جدلاً في كل إسكندنافيا حين قال: "النساء المسلمات لا حقوق لهن. لسن بشراً. هن مجرد أرحام تحمل المحاربين الجدد. وإلا فهن بلا قيمة". وذهب هيداغورد إلى حد حثّ الدنماركيين على الثورة ضد الطبقة السياسية "التي لا تتدخّل لمواجهة المسلمين البربريين غير المتحضرين".
لم يُعاقب الرجل على أي من تصريحاته الطويلة، سوى حين ذهب إلى تصريح فجّر الغضب عند المسلمين في كوبنهاغن، إذ قال: "هؤلاء (المسلمون) يقومون باغتصاب أطفالهم. إنه شيء نسمعه دائماً. البنات في العوائل المسلمة يُغتصبن من أعمامهن وأبناء عمومتهن وآبائهن". لكن الحكم جاء بغرامة مالية بـ5 آلاف كرونة (أقل من 800 دولار)، هذا بعد أن برأته المحكمة الابتدائية ثم وبعد الاستئناف إلى محكمة أعلى جرى تغريمه.
قائمة التصريحات العنصرية طويلة جداً، وخصوصاً انتشارها في صفوف النخب السياسية والثقافية في الدنمارك. فالعداء للعرب، وللفلسطينيين تحديداً، في سبعينيات القرن الماضي، كان يقسم الساسة والأحزاب، لكن اليوم أصبح من العادي رؤية ملصق انتخابي حزبي يقول: "الإسلام هو النازية". وحين يحج "مثقفو وفنانو العنصرية" من السويد ودول الشمال إلى كوبنهاغن لعرض أفكارهم، فإن اليمين المتطرف يسارع إلى الدفاع عنهم. وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة، لصحافيين وكتّاب الحركة اليسارية في البلاد، يجد المراقب للمشهد أن التحوّلات اليمينية العنصرية هي الأكثر تقدماً وازدهاراً هذه الأيام.

المساهمون