العمّ محمد السكنداجي... نصف قرن مع حُصر السمّار بتونس

تونس
مريم الناصري
30 نوفمبر 2018


فوق الحصيرة التي ينسجها، يجلس العمّ محمد ثانياً إحدى ساقَيه. بالقرب منه حزم صغيرة من نبات السَمّار بأحجام وألوان مختلفة. وغير بعيد عنه، حرفيون تونسيون آخرون منشغلون بحصرهم. هو يملك منسجه الخاص، تلك الآلة التي يصنع بواسطتها الحصر وغيرها من البسط. والمنسج أو النول، يتألف من عارضتَين خشبيّتَين متساويتَين، تُثبّتان بطريقة أفقية على الأرض لتُشَدّ الحبال بينهما من الأطراف. وثمّة عارضة خشبيّة ثالثة ذات ثقوب متساوية وحبال رقيقة لتثبيت الخطوط المنسوجة. ويمرّر العمّ محمد سيقان السمّار الرقيقة مع الحبال على شكل خطوط منتظمة، وتُستخَدم العارضة المثقوبة لضمّ الخطوط إلى بعضها البعض وتشكيل الرسوم المختلفة.

منذ أكثر من خمسين عاماً، يعمل العمّ محمد السكنداجي، البالغ من العمر 65 عاماً، في صناعة الحصر في تونس. وتبدأ القصّة من شارع "السمايرية"، نسبة إلى السمّار الذي يُعَدّ العنصر الرئيسي لصناعة الحصر، وهو يُسمّى كذلك شارع "الحصايرية" نسبة إلى الحصر. وذلك الشارع يألفه سكان محافظة نابل في الوطن القبلي، التي اشتهرت بصناعة الحصير منذ أوائل القرن العشرين، وثمّة من ورث المهنة أباً عن جدّ. يقول العمّ محمد: "عندما كنّا صغاراً، لم تكن رياض أطفال موجودة في البلاد مثل اليوم، فكانوا يضعوننا في هذه المحلات لنعتادها. وبمجرّد بلوغنا سنّ السابعة أو الثامنة، كنا نبدأ تعلّم كيفية نسج الحصر. كنّا نضرب على أرجلنا عند الجلوس حتى نتعلّم الطريقة الصحيحة". يضيف: "هكذا أهداني القدر حرفة على نول الحصر في هذا المحلّ البسيط". واليوم، يمضي يومه بمعظمه محاطاً بعدد من الحرفيين الآخرين وبحزم من السمّار.

في ما مضى، كان الشارع يضمّ مئات المحال، لكنّ الحرفة اليوم مهدّدة بالاندثار والحرفيين بعدد أصابع اليد، ومعظمهم من كبار السنّ. ويعيد العمّ محمد ذلك إلى "عدم إقبال الشباب على تعلّم نسج حصر السمّار وامتهانه، على الرغم من أنّه يمثّل مورد رزق مهمّاً، نظراً إلى رواج تلك المنتجات، حتى في بعض الأسواق العالمية". ويتحسّر العمّ محمد على الحرفة المهدّدة بالزوال، "بينما يفضّل الشبان الجلوس في المقاهي". ويتوقّف عن الكلام لدقائق قليلة، فيتناول إحدى سيقان السمّار التي تبدو مبتلة بعض الشيء، ويمررّها بسرعة ودقّة بين الحبال المثبتة بطرفَي النول الأفقي ذهاباً وإياباً، ثمّ يضربها بالعارضة الخشبية المثقوبة التي تُسمّى مضرباً. وينتهي هكذا من خطّ جديد من لوحته.



وبحسب ما يروي العمّ محمد، فإنّ "عدد الحرفيّين والعمّال في الماضي كان كبيراً، لا سيّما أنّ وفرة نبات السمّار خلقت فرص عمل كثيرة في مجالات مختلفة. فكنّا نجد من يجمع النبات وبين من ينسجه على شكل حصائر أو يصنع منها القفاف التي كانت تُستخدَم بدلاً من الأكياس البلاستيكية الرائجة اليوم". ويشير إلى أنّ "السمّار ينبت على ضفاف الأنهار وبالقرب من المستنقعات وحول تجمّعات المياه عموماً. وهو متوفّر بكميات كبيرة في محافظة نابل، وكذلك في محافظات أخرى مثل قفصة وسيدي بوزيد في الجنوب". يضيف العمّ محمد أنّ "بعض الأشخاص يعمدون إلى حصاد النبات منذ بداية شهر يونيو/ حزيران وحتى نهاية شهر أغسطس/ آب، قبل أنّ تغمرها أمطار الشتاء. بعد ذلك، تُجفَّف على مدى أسبوعَين أو شهر، حتى يتحوّل لونها إلى أصفر أو أبيض. وفي مرحلة تالية، تُفرَز بحسب سماكتها وطولها، وتُجمَع في حزم في أماكن ذات تهوية جيّدة في شارع السمايرية، حتى تكون بمتناول صانعي الحصر. وفي بعض الأحيان، تُجمَع في محلات صناعة الحصر. وفي السابق، كانت تُفرَز هناك من قبل الأطفال الصغار الراغبين في تعلّم المهنة". يُذكر أنّ تجّار السمّار - بعضهم - يعمدون إلى صبغ سيقانه بألوان مختلفة، لا سيّما الأحمر والأخضر والبنفسجي. فتلك هي الألوان التي يفضّلها الحرفيّون لرسم أشكال على الحصر، خصوصاً تلك التي تُباع للمساجد".




في ذلك المحلّ الصغير، تُرصَف الحصر والقفاف لتشهد على جهود محمّد ورفاقه في العمل. وتختلف أحجامها والرسوم عليها وفقاً لاستخداماتها. ويشرح العمّ محمد أنّ "الحصر المصنوعة للمساجد تكون كبيرة وتُرسَم عليها قباب مساجد أو شكل مثلّث يدلّ على القبلة، في حين تأتي الحصر المستخدمة للزينة أصغر حجماً حتى تُعلّق على الجدران وعلى أعمدة المساجد". ويتابع أنّ "الطلب مرتفع على الحصر، لا سيّما من الخارج، لكنّ ذلك يتجاوز طاقة إنتاج ورشنا القليلة، نظراً إلى النقص الكبير في اليد العاملة"، سائلاً "من الذي يرضى من بين الشبان الجلوس بهذه الوضعية لساعات على الأرض؟". ويلفت العمّ محمد إلى أنّه "على الرغم من اختراع آلات لنسج السجاد والبسط بمعظمها، فإنّ حصر السمّار ما زالت تُصنع بطريقة يدوية. لكنّ الأيدي التي تصنعها قلّت اليوم، للأسف".

دلالات

ذات صلة

الصورة
تونس1

تحقيقات

يوثق استقصاء "العربي الجديد" أشكالاً مختلفة من الاتجار بالبشر في تونس، إذ تستقطب شبكات أفريقية ومحلية ضحايا ينتمون لدول جنوب الصحراء يقعون ضحية العمل القسري والاستغلال الجنسي بينما يتبدد حلمهم بالعبور إلى أوروبا
الصورة
الأمطار تغرق شوارع تونس (العربي الجديد)

مجتمع

شهدت العاصمة التونسية وعدد من المدن الساحلية، الاثنين، أمطاراً غزيرة تسببت في إغلاق بعض الشوارع، وغمرت المياه منازل ومحال، وعطلت حركة المرور، كما علق مواطنون بعد أن عطل تجمع المياه عودتهم إلى منازلهم، أو حال دون قدرتهم على مغادرة مقار عملهم.
الصورة
سياسية/الدرك التونسي/(فتحي بلعيد/فرانس برس)

أخبار

تعرض عونا حرس (درك) تونسيان، صباح اليوم الأحد، إلى عملية دهس من قبل "عناصر إرهابييين"، وذلك على مفترق القنطاوي في سوسة وسط البلاد، ما أدى إلى مقتل أحدهما، فيما "تم القضاء على 3 عناصر متشددين مسلحين". 
الصورة
رئيس الحكومة التونسية المكلف هشام المشيشي (ياسين قايدي/الأناضول)

سياسة

تعهد رئيس الحكومة التونسية المكلف هشام المشيشي للأحزاب البرلمانية، اليوم الثلاثاء، بالتعاون معها لتحقيق برنامجه، ملتزماً بعدم التعالي عليها والتنسيق معها وسط تطمينات لتمرير حكومته بأغلبية مريحة.