العملية السياسية في الجزائر بعد رئاسة أويحيى الحكومة

العملية السياسية في الجزائر بعد رئاسة أويحيى الحكومة

27 اغسطس 2017
الصورة

أحمد أويحيى.. عودة إلى رئاسة الجكومة الجزائرية وتساؤلات (17/8/2917/Getty)

+ الخط -
شهدت الجزائر، قبل أيام، أحداثاً ساخنة أدّت، في نهايتها، إلى إقالة الوزير الأول، عبد المجيد تبّون، وإعادة الشخصية السياسية المعروفة، أحمد أويحيى، إلى الواجهة، ما طرح تساؤلاتٍ عديدة بشأن إشكاليات الهموم السياسية لبلد يعج بالتخمينات والسيناريوهات، تصنع الرئاسة مشاهدها من ناحية، ورجال أعمال متنفذون، من ناحية ثانية، إلى جانب جهاتٍ كانت، دوما، صانعة الأحداث، ومنصبة، من وراء الستار، على المسؤولين، وخصوصا في أعلى هرم السلطة، وفي مقدمتها المخابرات والجيش.

إشكاليات المشهد الراهن
لا يمكن البتة، قراءة المشهد السياسي الجزائري الحالي، من دون إثارة جملة الإشكاليّات التي تطرح نفسها بإلحاج باحثةً عن حلول وخريطة طريق عاجلة. أولاها، عودة الحديث حول تفعيل المادة 102 من الدستور، والتي تتحدث عن منهجية حل معضلة شغور منصب رئيس الجمهورية لأي سبب، ومنها عدم القدرة على أداء المهام المنوطة بالمنصب. وقد أثار المسألة من قبل الوزير السابق، نور الدين بوكروح، ورئيس حزب "فجر جديد" المعروف بمعارضته الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو سفيان جيلالي، بل ذهب الأمر بعيدا بإنشاء صفحة في "فيسبوك" تدعو إلى التوقيع على عريضة لتفعيل تلك المادة الدستورية، إضافة إلى تعليقات إعلامية وتقارير عديدة، تتساءل بشأن الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة، وماهية القرارات التي وصلت أخيرا، في نهايتها، إلى إقالة الوزير الأول تبون، على وقع قرارات اقتصادية حيوية اتخذها لم يرض بها رجال أعمال متنفذون في دوائر صنع القرار، وفي مقدمتهم علي حدّاد، المقّرب جدّا من الرئاسة وصديق شقيق الرئيس ومستشاره، السعيد بوتفليقة.
وتشير الإشكالية الثانية إلى العلاقة بين المال والسياسة في الجزائر، حيث كان برنامج الوزير الأول "المقال" قد طرحها في خطاب نيل الثقة من البرلمان، غداة تسميته رئيسا للحكومة، وهو ما أثار حفيظة وسائل الإعلام (صحف وقنوات) المحسوبة على رجال أعمال، قصدهم الوزير الأول بتصريحاته وقراراته، والتي مسّت، بصفة خاصّة، مصالح الاستيراد وقطاع المركبات (استيراداً وتصنيعاً) إضافة إلى تلميحه إلى إشراك الرأي العام والمجتمع المدني في تلك 
المعركة التي حملت عنوان "محاربة الفساد و"تقليم أظفار بارونات الاستيراد". وقد أدّى ذلك كلّه إلى انتشار أخبار عن منع وزراء سابقين من السّفر، كانوا ضمن طاقم الوزير الأول السابق، عبد المالك سلاّل، والذين فتحوا الباب واسعا أمام رجال أعمال بعينهم للسيطرة على قطاعات واسعة من الاستيراد، كما تم إبراز تركيز تبون في تصريحاته/ قراراته على أهمية الحفاظ على احتياطي النقد من العملة الصعبة، لمواجهة إعصار استمرار انخفاض أسعار المحروقات في السوق الدولي.
الإشكالية الثالثة ذات صلة بوحدة القرارات التي تضطلع بالسياسات العليا للبلاد، والتي يقع على عاتقها تسيير الإشكاليتين الأولى والثانية والموازنة بينهما، إضافة إلى الحفاظ على قدر من اليقظة الإستراتيجية في إدارة ملفات الأزمات/ المعضلات المشتعلة على حدود الجزائر من كل الجهات: المغرب مع حراك الريف، مالي والنيجر مع انفجار الوضع في الساحل، ليبيا مع استمرار الوضع في الانزلاق وضبابية الموقف هناك، مع انسداد في الأفق السياسي والعسكري، موريتانيا مع احتقان التعديلات الدستورية الأخيرة، وتونس التي تشهد وضعا اقتصاديا غاية في الحساسية، وشدّا وجذبا، خصوصا مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي المحلي، واشتداد السجال السياسي بين العلمانيين والإسلاميين، هناك.
لم يتأتّ لأحد الاطّلاع، عن قرب، إلى تكوين هذه الوحدة، كما لا يعرف عدد الأشخاص الذين تتكوّن منهم الوحدة القرارية، ولا طبيعتهم. لكن، وفق تحليلات سياسيين، كانوا قريبين من مركز/ مراكز صنع القرار، فإن مسلّمة "أولوية العسكري على السياسي" التي كرّسها "مؤتمر الصّومام" في أغسطس/ آب 1956، في أثناء الثورة التحريرية الكبرى (1954-1962)، تبقى هي أساس العملية القرارية في أعلى هرم السلطة، إلى غاية بداية الألفية الجديدة، كما سيأتي لاحقا.
وقد حاول أكاديميون عديدون دراسة تلك الوحدة القرارية، إلاّ أنهم اصطدموا بعائق غياب وثائق تشير إلى الوحدة نفسها، على الرّغم من أن مختلف الدساتير، منذ الاستقلال في عام 1962، أشارت إلى مؤسسات تنفيذية (الرئاسة) وتشريعية (البرلمان) وقضائية، تضطلع كلها بمهام صنع السياسة العامة للبلاد. وتوصّلت تلك الدراسات الأكاديمية الرّصينة، بعد جهد، إلى تصميم نموذج لهرمية مفترضة، لبلورة وصنع القرار في الجزائر، يعتمد على مؤسسةٍ تعمل بعيداً عن الواجهة (الجيش) ومؤسسات رسمية تضطلع بتحويل تلك القرارات إلى نصوص قانونية، تعيينات، تشريعات وفي بالنهاية، قرارات رسمية واجبة النّفاذ.
يُضاف إلى تلك المؤسسات التي تتشكل منها الوحدة القرارية، منذ عقد تقريبا، صعود نجم 
رجال الأعمال وأسهمهم، ليس في بلورة القرار وصناعته، ولكن بالاقتراب، قدر الإمكان، من دوائر صنع القرار للتّأثير على بعض اتّجاهات الرأي داخل الوحدة القرارية. إنّها، بعملها التّأثيري، تلعب أدوار "اللوبيات" أو "جهات الضّغط"، من خلال توفير التّمويل للحملات الانتخابية وترويجها سياسات النظام، عبر وسائل إعلام أصبحت تمتلكها، وتحاول، من خلالها، صنع رأي عام أو تشكيل اتجاه إلى مجتمع مدني، يتم صنعه، ليناصر سياسات تخدم مصالح ما لتلك المجموعة. وفي المقابل، هو الاستحواذ على صفقات عمومية كبرى ورخص استيراد خالصة تدر عليهم مليارات الدولارات، سنوياً.
تكتمل لدينا، بذلك، صورة الوحدة القرارية التي تصنع المشهد السياسي الذي تحاول هذه المقالة قراءته. ويبقى السؤال: لماذا تمّ إقالة تبّون، ولماذا يعود أويحيى إلى الواجهة، مع العلم أن الأجندة السياسية تتضمن مواعيد انتخابية مهمة، انتخابات محلية في نوفمبر/ تشرين الثاني للعام الحالي وانتخابات رئاسية لعام 2019 أو انتخابات رئاسية مبكّرة وفق تطور الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة، كما تتضمن صياغة قانون المالية لعام 2018 مع استمرار انهيار أسعار النفط وتآكل احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.
وبالعودة إلى الأكاديميين الذين حاولوا الاطلاع، عن قرب، على عملية بلورة السياسة العامة وصنعها في الجزائر، أو ما يعرف بالصندوق الأسود، فإن ثمّة توضيحاً يجب أن نورده، وله صله، بوجه خاص، برصانة العمل الأكاديمي الذي لا يقبل من المعلومات إلا ما يخدم المنهجية العلمية الموصلة إلى نتائج في دراسة "العملية السياسية الجزائرية وكيفية بلورتها وصنعها". وقد أكّدت تلك الدراسات وقوع قطيعةٍ ما في عمل الوحدة القرارية وتشكيلها، ولعل جسامة ما تعرّضت له البلاد في العشرية الحمراء (تسعينيات القرن الماضي غداة توقيف المسار الانتخابي وانزلاق البلاد في أتون عدم الاستقرار)، تكون هي المرحلة المفصلية التي دفعت، بطريقة تراتبية، إلى إحداث تغييرٍ في تلك الوحدة القرارية.
يتذكّر الجميع تصريحاً تاريخياً للرئيس بوتفليقة، غداة تنصيبه رئيسا، في الولاية الأولى، عام 1999، عندما قال "لا أريد أن أكون ثلاثة أرباع رئيس"، في إشارةٍ منه إلى وجوب تغيير "قواعد اللعبة" داخل الوحدة القرارية، وهو ما تمّ تدريجيا، وصولا إلى العملية الكبرى التي حدثت غداة انتخابه، عام 2014، لولاية رابعة، بقرارات وصفت بـ"الجريئة" غيّرت من مجرى بلورة السياسة العامة وصنعها في الجزائر، من خلال إعادة تنظيم قطاع الاستعلامات، وإقالة رئيس جهاز الاستعلامات، آنذاك، الجنرال توفيق.
تحدّثت تقارير إعلامية، في تلك الفترة، عن استعادة الرئيس بوتفليقة بشكل تام الربع الباقي من سلطاته التي كانت تشاركه فيها الجهات المسماة أعلاه (الجيش ورجال الأعمال)، وبذلك أصبحت مؤسسة الرئاسة، رسميا، الوحدة القرارية الوحيدة المضطلعة بمسؤوليات بلورة السياسة العامة للبلاد وصنع هذه السياسة، على المستويات كافة. وبإقرار هذه الحقائق، تنقطع حجج من يتساءل، الآن، في الجزائر، عن الشخص الذي وجه رسالة لوم إلى عبد المجيد تبّون قبل أيام، على إثر اللغط الذي صاحب قراراته الاقتصادية التي امتعض منها أصحاب المصالح الكبرى من رجال الأعمال، خصوصا المقرّبين من دوائر صنع القرار، كما تنقطع حجج من يتساءل عن صاحب قرار تسمية أحمد أويحيى رئيسا للحكومة للمرة الرابعة في مساره السياسي. وعندما يتم الحديث هنا عن حجج تنقطع، فإن الإشارة هي إلى طبيعة المؤسّسة المضطلعة دستوريا باتّخاذ تلك القرارات، وهي مؤسسة الرئاسة، بغض النظر عن الحالة الصحية للرئيس، وهو ما يعيدنا إلى أسباب انتشار الدعوة إلى تفعيل المادة 102 من الدستور عن حالة شغور منصب الرئيس لأي سبب، وهي الدعوة التي ما كانت لتنتشر، لولا أن أصحابها يعلمون، تمام العلم، بتغيير "قواعد اللعبة" داخل الوحدة القرارية للبلاد.

آفاق العملية السياسية
بعد تسلمه زمام الحكومة، ما هي الخطوات التي على أحمد أويحيى القيام بها، للتأكيد أن إبعاد/ إقالة عبد المجيد تبّون هو، في حقيقة الأمر، تحويل لمسار العمل السياسي وإلغاء لمسلكية 
خاطئة، خصوصًا في الجانب الاقتصادي؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تحتاج الحديث عن حقيقتين، لهما صلة بطبيعة عمل النظام السياسي في الجزائر. تتعلّق أولاهما بأن الجميع خاضع لإرادة صانع القرار في قصر الرئاسة، ولاءً وتنفيذا لمسار سياسة ما، وهو ما كان تبّون يؤكّد عليه، عند توليه مقاليد رئاسة الحكومة في مايو/ أيار الماضي. أما ثانية الحقيقتين فلها صلة بالأجندة التي على أويحيى تسييرهـا، والتي تحضر بعيدا عن مؤسسة رئاسة الحكومة، وهو ما حدا بالتلفزيون الجزائري إلى القول إن "التّشكيلة الحكومية التي سيقرّها رئيس الجمهورية، ستعرف ظهر الخميس"، ما يعني أن الدور المحوري هو للرئاسة، والجميع يسير في ركب قراراتها، ليس إلاّ، كما قرّرنا أعلاه.
التحديات كثيرة أمام أويحيى، ولعلّ أكثرها إلحاحاً عليه ستكون جملة القرارات الاقتصادية التي أقرّها سلفه، والخاصة بانعقاد الثلاثية (اجتماع بين النّقابة المركزية، الحكومة ورجال الأعمال) للتأكيد على التزام الجميع بمضمون "العقد الاقتصادي" الموقّع منذ عامين، إضافة إلى ملّفات الاستيراد وأزمة "مصانع المركبات"، والذي يؤرق السلطة، بسبب ما برز أنه مجرد "خدعة" والتفاف على "كرّاسة الشروط"، من رجال أعمال للتهرّب من دفع ضرائب استيراد المركبات، والاستمرار في الاستحواذ على قطاعٍ يدر مليارات الدولارات لهؤلاء، لكنه يستنزف، في الوقت نفسه، احتياطي النقد الأجنبي من دون مقابل، من حيث تحويل التكنولوجيا أو تقليص للعجز في الميزان التجاري للبلاد.
على المستوى السياسي، أبرز ما سيكون على أويحيى القيام به هو التحضير للانتخابات المحلية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ثم المرور إلى أهم ملف في السنتين المقبلتين، بل لمستقبل الجزائر، برمتها، وهو ملّف رئاسيات 2019 والتي قد تكون انتخاباتٍ مبكرة، تبعا لتطوّرات عملية خلافة الرئيس بوتفليقة، أو ترشيحه لولاية خامسة، كما صرح بذلك أمين عام جبهة التحرير، الحزب الفائز في التشريعيات الأخيرة، والذي يترأسه شرفياً بوتفليقة.
العملية السياسية معقدة في الجزائر، ويحتاج تحليلها إلى الولوج إلى "الصندوق الأسود"، والذي هو عصي على معرفة ما يدور في داخله للمقرّبين من دوائر صنع القرار، فضلا عمّن يريد تحليل قرارات السلطة ومحاولة فهم كنهها.
على كلّ، التغيير الذي جرى هو في صلب التسيير الطبيعي للأمور السياسية في البلاد، ولا يمكن الحديث، لا عن مفاجأة، ولا عن تحول في مسار عملية تبقى حكرا، معرفةً وتسييرا وتقريرا، حقا خالصا وحصريا لجهة ٍ استحوذت، منذ نهاية العشرية الحمراء، على كامل مقاليد العملية السياسية، وتعمل مع الجيش، وليس في ظله، كما كان الأمر منذ الاستقلال.