العملة السورية تتهاوى والغلاء يتفاقم: الدولار يتخطى 1100 ليرة

العملة السورية تتهاوى والغلاء يتفاقم: الدولار يتخطى 1100 ليرة

15 يناير 2020
الصورة
ارتفاع أسعار السلع يزيد معاناة السوريين (دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -

 

تابعت العملة السورية سلسلة تهاويها التي بدأتها مطلع العام الجاري، لتخسر أكثر من 15% من قيمتها خلال 15 يوماً بعد خسارة نحو 50% من قيمتها خلال العام الماضي، لتسجل، أمس الثلاثاء، أدنى سعر بتاريخها، بعد أن تخطى الدولار عتبة 1100 ليرة.

وانعكس تدهور الليرة على الأسواق التي شهدت قفزات متتالية لأسعار السلع الغذائية في الفترة الأخيرة.

وتؤكد مصادر مطّلعة لـ"العربي الجديد" أن أزمة الدولار أدت إلى حدوث شلل بسوق الصرف الأجنبي في العاصمة السورية دمشق في ظل توخي شركات ومكاتب الصرافة الحذر لعدم اليقين من اتجاه أسعار العملة الأميركية، وسط تشديد أمني في مناطق "المرجة والحريقة" وسط دمشق.

وتشير المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، إلى أن "صمت الحكومة وعدم الخروج بأي تصريح رسمي أو بيان يزيد من المخاوف بالسوق التي تتجه نحو الفلتان والفوضى، وانتشار شائعات عن انهيار الليرة وعدم قدرة الدولة على ضبطها انعكس على ارتفاع أسعار جميع السلع".

أسباب اقتصادية وسياسية

حسب محللي اقتصاد لـ"العربي الجديد"، فإن أبرز أسباب تهاوي سعر الليرة يتمثل في فقدان سورية الاستقرار النقدي، على وقع تبديد الاحتياطي النقدي بالمصرف المركزي الذي كان يبلغ 18 مليار دولار عام 2011، بالإضافة إلى تراجع الإنتاج والصادرات وعائدات السياحة.

وأكد المحللون، أن الأسباب السياسية، من حصار وحرب وتدهور الأوضاع في لبنان ساهمت أيضا في دفع العملة السورية نحو التهاوي.



ويرى أستاذ الاقتصاد السوري بجامعة ماردين التركية، مسلم طالاس، أن تهاوي الليرة السورية، استمرار للموجة السابقة التي تزامنت مع الانتفاضة اللبنانية، والخلاف المتواصل داخل دائرة الحكم بسورية، والحجز على أموال تجار وبعض أقرباء رئيس النظام بشار الأسد.

ويشير طالاس، إلى أن ما كان يدعم الليرة خلال الفترة السابقة، هو الضخ الدولاري الخارجي، سواء عبر المغتربين لأهلهم وذويهم، أو عن طريق إيران لنظام الأسد أو للمليشيات المقاتلة التابعة لها، ولكن بعد تردي الوضع الاقتصادي في طهران وتشديد العقوبات عليها، تراجع الدعم الخارجي.

وحول الأسباب الاقتصادية، يضيف طالاس: "جذور المشكلة تكمن في أن الاقتصاد ضعيف، إضافة إلى فقدان ثقة المتعاملين بالعملة المحلية".

وعن الحلول المقترحة، يرى طالاس أنه لا سلاح لدى نظام الأسد لأنه ليس لديه احتياطي أجنبي، وبالتالي لا يمكن الوقوف بوجه سيل الانهيار، لأن السوق ستبتلع أي ضخ نقدي أو تدخل مباشر من المصرف المركزي.

وفي نفس السياق، قال الاقتصادي السوري، محمود حسين "جاء تجميد حسابات السوريين في لبنان وعدم منح المصارف هناك أكثر من 300 دولار أسبوعياً للفرد، كضربة قاضية لليرة السورية، وفضلاً عن تجميد العمليات التجارية وودائع السوريين بالمصارف اللبنانية، نجد اللبنانيين يتجهون للسوق السورية لشراء الدولار".

ويضيف حسين لـ"العربي الجديد": لا سقف لتوقعات تهاوي الليرة، خاصة في ظل المخاوف من بدء تطبيق قانون سيزر، فرجال الأعمال متوجسون وغير مستعدين للمجازفة في السوق السورية في ظل عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.


وقدرت دراسة سورية صادرة أخيراً، إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية بنحو 45 مليار دولار. وقالت الدراسة التي أعدها رئيس قسم المصارف في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، علي كنعان، إن إيداعات السوريين تزيد على 25.4% من إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية البالغة نحو 177 مليار دولار.

وأكد كنعان أن تلك التقديرات تخص إيداعات السوريين الأفراد، وخاصة المستثمرين ورجال الأعمال، من دون احتساب إيداعات بعض المصارف وشركات التأمين، وعند الأخذ بعين الاعتبار هذه المؤسسات فإن إجمالي الإيداعات السورية يتخطى 50 مليار دولار.

عجز حكومي

ووقفت جميع الجهات الحكومية المختصة عاجزة عن وقف نزيف العملة المحلية أو حتى الحد منه، وسط تصريحات تطرح حلولا شكلية للأزمة.

وخرج رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، فارس الشهابي، أول من أمس، ليقول: الدولار بألف ليرة والعاصمة الاقتصادية، (حلب)، التي تستطيع ترويضه ما زالت محاصرة بدون مطار وبدون طريق دولي وتتعرض للقصف وانقطاع الكهرباء والتهريب وغيرها.

ورأى الشهابي خلال تصريحات إعلامية، أنّه لا خلاص للبلد إلا بالصناعة والاهتمام بكل بتفاصيلها من أجل تشجيع الناس على افتتاح مصانعهم وإعادة تأهيلها، والأهم إقناع المستثمرين الذين نزحوا إلى الدول الأخرى بالعودة مجددا إلى مدنهم وأعمالهم.

من جهته، حدّد رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، عابد فضلية، عدة إجراءات للحدّ من سيطرة الدولار على الأسواق المحلية، وكان أبرزها توفير السلع الضرورية ومنع احتكارها، وترشيد الاستيراد ولجم التهريب بشكل فعلي، وتفعيل أدوات السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتحجيم الطلب على الدولار.

واقترح فضلية خلال تصريحات صحافية، أمس، أن يأتي الحل على مستويين، الأول اتخاذ ما يلزم لتحريك عجلة الإنتاج، والثاني تحريك الأنشطة الاستثمارية بما فيها تشغيل المدخرات العائلية والودائع المصرفية.

ومن جانبه، يقول الاقتصادي السوري، حسين جميل، إن كل تلك التصريحات، من قطاع الأعمال السوري، لا تستند إلى أي أساس اقتصادي لأن تدوير عجلة الإنتاج أو تنشيط القطاعات، يحتاج لثقة وسيولة، وكلا العاملين مفقود بسورية الآن.

ويضيف جميل لـ"العربي الجديد": على الأرجح أن نرى مزيداً من تهاوي سعر الصرف وتردي الواقع الاقتصادي كلما اقترب تطبيق قانون قيصر، فرجال الأعمال وحتى المستثمرون الأجانب متوجسون، ولا أحد يمكن أن يجازف بواقع اقتصادي مهدد بالعقوبات والانهيار.

وكانت المستشارة السياسية والإعلامية لرئيس النظام السوري، بثينة شعبان، قد علقت على قانون سيزر (قيصر) خلال لقاء سابق مع تلفزيون "الميادين" اللبناني بقولها: إن القانون لن يؤثر على الاقتصاد السوري، كون الحكومة تعمل على أن يكون لديها اكتفاء ذاتي في كل المجالات.

وأكدت أن ارتفاع صرف الدولار الذي شهدته البلاد في الأسابيع الماضية لا علاقة له بقانون قيصر أو الأزمة الاقتصادية في لبنان، موضحة أن ما يحدث مرتبط بالمضاربات المصرفية فقط، وفق زعمها.

جنون الأسعار

وحسب تجّار في دمشق، قفزت أسعار السلع والمنتجات بالأسواق السورية أكثر من 10% خلال الأيام الثلاثة الماضية، لتضاف إلى ارتفاعات بنسبة 35% خلال الشهر الماضي، فكيلو القهوة وصل إلى 9 آلاف ليرة وكيلو الأرز 900 ليرة والسكر 600 ليرة.

ليكون الارتفاع الأكبر، بحسب التجار، لبعض الخضر، إذ قفز سعر الطماطم خلال أيام بنحو 80% ليصل إلى 650 ليرة.

كما طاول ارتفاع الأسعار المنظفات بنسبة 15% والزيوت والسمن بنحو 10% والبيض بنحو 20%.

من جهته، أكد تاجر الأغنام، رضوان محمد، لـ"العربي الجديد" أن الظروف الجوية وارتفاع أسعار الأدوية والأعلاف بسبب زيادة الدولار أهم أسباب غلاء أسعار اللحوم.

كما واصلت أسعار الذهب في السوق السورية ارتفاعها القياسي، فقد زاد الغرام بمقدار 1500 ليرة أمس، ليسجل ولأول مرة 42500 ليرة.

المساهمون