العملات الافتراضية تربك المصارف الأميركية.. وتحذيرات من مخاطر "بيتكوين"

04 أكتوبر 2017
الصورة
العملات الافتراضية باتت تجذب الكثير من العملاء (Getty)
+ الخط -
تجاهل بنك الاستثمار الأميركي "غولدمان ساكس" جميع التحذيرات التي أطلقت بشأن تداول العملة الرقمية "بيتكوين"، ليتجه إلى تنظيم عمليات تداول العملة المثيرة للجدل، والسماح للعملاء بالتعامل بها، من خلال وضع آليات تنظيمية لتداولها بشكل آمن.

ويبدو أن إقدام البنك على تداول "بيتكوين" يأتي في محاولةٍ لتعويض انخفاض إيراداته العام الماضي 2016، من أدوات الدخل الثابت والمتاجرة في السلع والعملات.

غير أنه أشار إلى أنه ما يزال في مرحلة مبكرة جداً في تلك الخطوة، حيث إن كل ما قام به حتى الآن لا يتجاوز التشاور مع مجموعة من الخبراء، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ الأميركية، مساء الإثنين الماضي.

وتتخذ إدارة "غولدمان ساكس" موقفاً مغايراً عن باقي المصارف الأميركية، فقد رفض الرئيس التنفيذي لمصرف "جي بي مورغان"، جيمي ديمون، آليات التداول بـ"بيتكوين"، واعتبر هذه العملة بمثابة "الاحتيال".

أما الرئيس التنفيذي لشركة "مورغان ستانلي" جيمس جورمان، فقال، الأسبوع الماضي، إن العملات الرقمية مثل بيتكوين هي "أكثر من مجرد بدعة". لكن مصرف "غولدمان ساكس" قال إنه سيعمل على دخول تلك السوق من أجل تسهيل عمليات شراء وبيع هذه العملة، بعد تزايد الطلب من عملائه على تقديم تلك الخدمة، ليعد بذلك أول مؤسسة من البنوك العملاقة تعلن نيتها دخول سوق العملات الرقمية.

وكانت الجهود الرامية لتسهيل التداول بعملة "بيتكوين" قد تعثرت، الأربعاء والخميس الماضيين، بعد سحب طلبين كان يفترض لهما أن يدعما انتشار استخدامها. وزادت التكهنات بانتهاء عصر العملة الرقمية، بعد فشل محاولات جعل التداول عليها في سهولة بيع وشراء الأسهم.

وأعلنت شركة إنتركونتيننتال إكستشينج، وهي عبارة عن شبكة من مؤسسات تسوية وتنفيذ معاملات للأسواق المالية والسلع، يوم الخميس، سحبها طلب إدراج صندوق خاص بالاستثمار في "بيتكوين" كانت قد قدمته لهيئة الأوراق المالية والبورصة الأميركية (سيك).

كما سحبت شركة "فان إك أسوشياتس" وثيقة تسجيل لصندوق آخر موجه للاستثمار في بيتكوين. وكانت الأسواق ترى الطلبين كفيلين، حال الموافقة عليهما، بجذب المزيد من المستثمرين إلى سوق العملات الرقمية، إلا أن هيئة الأوراق المالية (سيك) تحفظت وأعربت عن قلقها من سوق عملة البيتكوين، كونها غير منظمة بالشكل الكافي.

وظهرت عملة "بيتكوين" أواخر عام 2008، وهي عملة رقمية يتم التعامل بها من خلال العالم الافتراضي. وعقب إطلاق هذه العملة، طالبت المصارف المركزية العالمية بضرورة توخي الحذر عند استخدامها، ثم صعدت من لهجتها، واعتبرت أن التعامل بهذه العملة يخرج عن الأطر القانونية.

لكن هذه العملة شهدت موجة من الصعود، منذ بداية العام، حيث تخطى سعر السهم الـ4100 دولار تقريباً يوم الإثنين الماضي. وبحسب محللي "غولدمان ساكس"، فإن سعر السهم يتجه إلى تحقيق المزيد من المكاسب، إذ من المتوقع أن يصل سعر سهم "بيتكوين" إلى أكثر من 5000 دولار، وهو ما يعتبر رقماً قياسياً، حيث تتخطى قيمة السهم أسعار الدولار والذهب.

وعلى عكس العملات التقليدية، لا توجد جهة أو سلطة تنظم إصدار العملات الرقمية الافتراضية، ومنها "بيتكوين"، فلا يوجد لها بنك مركزي يصدرها، ولا دولة تدعمها.
وهذه العملة مصنوعة بواسطة أجهزة كمبيوتر تقوم بحل مجموعة من المسائل الرياضية المعقدة.

ويكون إنفاق "بيتكوين" عن طريق شرائها بالعملات التقليدية ثم القيام بالعمليات المطلوب الدفع فيها عن طريق بعض الجهات المعنية بتداول الأصول الرقمية، وأشهرها موجود في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية، ويوجد بعضها في الصين.

غير أن الهوس الذي أصاب الأسواق المالية بـ"بيتكوين" أخيراً يرجع بالأساس إلى الزيادات الرهيبة التي حدثت في قيمتها في الفترة الأخيرة. فالذي اشترى بيتكوين في بداية 2017، حقق أرباحاً أكثر من 400% في أقل من 9 أشهر، بعد أن ارتفع سعرها من 969 دولاراً إلى أكثر من 5000 دولار، إلا أنه ارتد قليلاً إلى الأسفل بعد ذلك.

وهذا لا يعني أنها فرصة للاستثمار مضمون الربحية، حيث إن من اشتراها في نهاية أغسطس/ آب الماضي، فقد ما يقرب من 40% من قيمة استثماره في أقل من أسبوعين، وكان هذا الانخفاض الكبير في قيمة العملة قد حدث بعد إعلان السلطات الصينية حظر التبادلات التي تتم بالعملات الرقمية، وكانت الصين تستحوذ على أكثر من ربع التعاملات العالمية ببيتكوين.
أما الحكومة اليابانية فقد رحبت يالتعامل في البيتكوين، وأسرعت بوضع لوائح لتنظيم التعامل بها وإضفاء شرعية على المتاجرة فيها.

كما سعت الهند والسويد إلى خلق عملات مشفرة خاصة بها. وفي الولايات المتحدة، أعلن بنك الاحتياط الفيدرالي أنه يدرس أسواق عملة البيتكوين والتكنولوجيا التي تقوم عليها.

وفي المجمل، يتم تداول ما لا تقل قيمته عن 150 مليار دولار من العملات الرقمية المشفرة حالياً، ويستثمر فيها أكثر من 70 صندوق تحوط، ويبلغ متوسط حجم التداول اليومي لها حوالي 750 مليون دولار، وهو تقريباً ضعف قيمة ما يتم تداوله يومياً من أسهم شركة فورد، عملاق السيارات.

وقبل يومين ظهر مايكل نوفوغراتس، أحد أهم مديري الأموال السابقين بمجموعة فورترس للاستثمار، والشريك السابق في "غولدمان ساكس"، في مقابلة مع فضائية بلومبرغ، وقال إن "بيتكوين في طريقها لتصبح أكبر فقاعة في حياتنا". وأضاف نوفوغراتس، الذي عدته مجلة فوربس في 2007 و2008 مليارديراً، أنه "يمكن جني أموال ضخمة مع استمرار تضخم تلك الفقاعة".

وتابع أن "الفقاعات غالباً ما تتكون حول الأشياء التي تغير نمط حياتنا جذرياً"، ضارباً المثال على ذلك بالفقاعة التي صاحبت ظهور السكك الحديدية والفقاعة التي صاحبت ظهور الإنترنت، وكلاهما ساهم بالفعل في تغيير حياتنا بشكل كبير.

وبحسب بلومبرغ، فإن نوفوغراتس يعتزم إصدار صندوق تحوط بمبلغ 500 مليون دولار للاستثمار في العملات الرقمية وفي بعض الشركات المرتبطة بها، وأنه سيوفر 150 مليون دولار منها من ماله الخاص.

وسيمثل ذلك الصندوق، حال إصداره، العودة الرسمية لنوفوغراتس للعمل بإدارة الأموال، بعد عامين من الابتعاد عن وول ستريت، حيث اعتزل العمل على خلفية تكبد الشركة التي كان مسؤولاً كبيراً فيها خسائر ضخمة في 2015.

أما ماركو كولانوفيتش، المسؤول في إدارة استراتيجية الكمية والمشتقات العالمية في بنك "جي بي مورغان"، فكان له رأي آخر، حيث قال في تقرير له حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه إنه "حتى لو لم تهدد العملات الرقمية (ومنها بيتكوين) سلطة البنوك المركزية في إصدار النقود، فإن التوسع في التعامل بها سيتطلب بالضرورة تدخل الحكومات لتنظيمها ووضعها تحت الإشراف". وأضاف: "هذه العملات تسهل التحايل على القيود المفروضة على تحويل الأموال من دولة لأخرى، وتساعد على التهرب من الضرائب، وتخدم الكثير من الأنشطة غير الشرعية على الإنترنت".

وأنهى كولانوفيتش تقريره بقوله "نحن لا نعلم إن كانت قيمة العملات المشفرة سترتفع أو تنخفض في المستقبل القريب، لكن تاريخ العملات، والحكومات، والاحتيال المالي يشير إلى أن مستقبل تلك العملات لن يكون مشرقاً".

ويعد غولدمان ساكس من أقدم وأكبر بنوك الاستثمار في العالم، وقد خرج منه وزيرا الخزانة الأميركية السابقين روبرت روبين وهنري بولسون، والحالي ستيفن منوشين، وكبير مستشاري ترامب الاقتصاديين جاري كون، ومحافظ البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، ومحافظ البنك المركزي الكندي السابق والبنك المركزي الانكليزي الحالي مارك كارني، ورئيس وزراء أستراليا الحالي مالكولم تيرنبول، وغيرهم كثير ممن تقلدوا مناصب قيادية في أكبر بنوك وبورصات العالم.

إلا أن هذا البنك قد تعرض لمحنة قاسية جداً خلال الأزمة المالية في 2008، ولم يستطع الخروج منها إلا بحصوله على قرض ضخم من الحكومة الأميركية يقدر بعشرة مليارات دولار وقام برده قبل انتصاف 2009.


المساهمون