العمالة المنزلية في تونس... فتيات قاصرات ولا قانون لحمايتهن

05 مارس 2017
الصورة
القرى الأكثر فقراً هي الأكثر تصديراً للخادمات(ياسويوشي شيبا/فرانس برس)


بين العاصمة تونس ومنطقة فرنانة أقصى الشمال الغربي، ينشط إبراهيم في توفير عاملات للمنازل من المناطق الريفية، للأسر ميسورة الدخل، حسب الطلب.

ويعتمد إبراهيم، والذي تجاوز صيته محيط مدينته، على هاتفه الجوال في تلقي طلبات الراغبين في استقدام عاملات لمنازلهم، حسب شروط يضعها المشغلون، مقابل عمولة يتقضاها لا تقل عن مائتي دينار (قرابة 80 دولاراً) عن كل عاملة منزلية يوفرها.

وباتت الوساطة في جلب المعينات من المناطق الريفية الفقيرة إلى العاصمة أو المدن الكبرى أشبه بالعمل المستقر لشبكة من السماسرة يجوبون الأرياف والقرى الفقيرة لإقناع العائلات المعوزة ممن لديها فتيات (قاصرات في أغلب الأحيان) بتوفير العمل لبناتها في العمل المنزلي، مقابل أجر مادي تحدده كفاءة الفتاة، وخبرتها في شؤون المنازل.

وفي تصريحٍ مثير للجدل، أقرّت وزيرة المرأة نزيهة العبيدي، بوجود ما سمتها ظاهرة "البيع والمتاجرة بالفتيات الصغيرات"، في عدد من الأسواق الأسبوعية في البلاد، يديرها سماسرة يشغلون الفتيات.

وأضافت في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات) خلال جلسة عامة للبرلمان قبل ثلاثة أيام، أن الوزارة تتابع حالياً هذه الحالات، مؤكدة أن هذه الممارسات تتنافى مع مقتضيات مجلة حقوق الطفل، ومع قانون العمل الذي يمنع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة.

وتعد الأسواق الأسبوعية في المناطق الريفية والمدن الصغرى نقطة الالتقاء بين السماسرة والباحثين عن عاملات منزليات، حيث يضرب إبراهيم موعداً أسبوعياً مع عملائه لتسليم الفتيات الراغبات في العمل، بعد الحصول على مقابل الوساطة الذي يتم الاتفاق عليه مسبقا.


قسوة الظروف تجبر أسرا على تشغيل بناتها في العمل المنزلي المأجور (هليل فيدان/الأناضول) 


ويقول إبراهيم الذي طلب من "العربي الجديد" الالتزام بنشر اسمه الأول فقط، إن له عملاء من عائلات ثرية تدفع له أضعاف ما يطلبه أحياناً، مقابل توفير مساعدة مدرَبة على الأعمال المنزلية ولها قدرة على تربية الأطفال، مؤكدا أن سعر الوساطة وأجرة العاملة يحددان حسب الأعمال التي تجيدها وخبرتها في هذا العمل.





ولفت إلى أن اغلب الفتيات اللواتي يوافقن على العمل في المنازل لم يكملن مراحل التعليم، فيجدن أنفسهن مجبرات على العمل لمساعدة عائلاتهن على العيش.

وأضاف إبراهيم الذي يمتهن الوساطة منذ أكثر من 15 عاماً، أنه كوّن شبكة كبيرة من العملاء بعد اكتسابه خبرة كبيرة في توفير عاملات متدربات، معتبراً أن الفتيات في المناطق التي لا تتوفر فيها فرص الشغل لا خيار أمامهن سوى الانتقال إلى العاصمة والمدن الكبرى لكسب قوتهن بالعمل في البيوت.


الفقر يجبر الفتيات على العمل في المنازل (موناي شارما/فرانس برس) 


وعموماً لا يصنّف القانون التونسي العمل في البيوت كمهنة مكتملة الشروط، إذ يبقى هذا الصنف من الأعمال ضمن المهن الهشة غير المحمية قانونياً. كما أن الطاقة التشغيلية المهمة لقطاع عاملات المنازل لم تحفز السلطات التونسية على مراجعة التشريعات، على الرغم من أن الأوساط الرسمية تعترف عموماً بأن هذا القطاع أكثر قطاعات العمل هشاشة.

ويقتصر التدخل القانوني في تحديد السن الأدنى للتشغيل بـ 16 عاماً، فضلاً عن إقرار قانون خاصّ بالضمان الاجتماعيّ، يمكّن العاملات المنزليات المصرّح بهن من تغطية اجتماعية دنيا منذ عام 2002.

وتشير أرقام غير رسمية إلى أن العمل في المنازل يمثل نحو 4 في المائة من القوى النشطة، غير أن هذا العمل لا يخضع لقوانين واضحة، ما يجعل هذه الفئة من العاملات معرضة لكل أشكال الاستغلال الاقتصادي وحتى الجسدي في غياب أطر قانونية واضحة تحدد أجورهن وعدد ساعات العمل والحماية الاجتماعية.

وتعد المحافظات الغربية المصنفة الأكثر فقراً، من أكبر المناطق التونسية المصدرة للعاملات بالمنازل، حسب دراسة لجمعية النساء التونسيات للبحث عن التنمية، حيث تحتل محافظة جندوبة في الشمال الغربي المرتبة الأولى، بنسبة 27.4 في المائة، ثم القصرين والقيروان بالوسط الغربي بنسبة 16.4 في المائة، ثم بنزرت 9.6 في المائة.

ويعتبر الخبير في التنمية حاتم المليكي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن التفاوت في التنمية المحلية بين المحافظات خلق نماذج اجتماعية قائمة على الأعمال الهشة على غرار العمل في البيوت، لافتاً إلى أن المحافظات المصدرة للعاملات هي التي تفتقر عموماً إلى مراكز صناعية، قادرة على استيعاب اليد العاملة، والتي لا تمتلك مؤهلات علمية أو تقنية.

وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن عدد الخادمات المنزليات بلغ 78 ألف تونسية، ويعدّ العمل بالمنازل القطاع الثاني المشغّل للنساء في البلاد بعد قطاع النسيج.