العلاج النفسي ضرورة لأعراض ما بعد الحوادث

العلاج النفسي ضرورة لأعراض ما بعد الحوادث

07 يناير 2015
الصورة
صدمة ما بعد الحادث تتطلب علاجاً (GETTY)
+ الخط -


لحظة وقوع حادث السير تشبه الزلزال، يدوّي، يدمّر، يخرّب، وينشر أضراره. أما اضطرابات ما بعد الحادث فهي كالهزات الارتدادية التي تعقب الزلزال. لا بد من انتظارها وترقب حدوثها لأن أذاها قد يكون كبيراً. وعندها لا بد من التدخل والعلاج.

اعتادت سامية على استخدام هاتفها أثناء قيادة سيارتها. كانت تجري المكالمات وتتلقاها. تتفقد بريدها الإلكتروني في الزحام عندما يكون السير بطيئاً. وتشارك في حوارات وسجالات الأصحاب وزملاء العمل على الواتس أب.

لم تتوقع في ذلك اليوم أن تخونها قدراتها، فقد انشغلت تماماً بقراءة إحدى الرسائل على جوالها. انحرفت سيارتها واصطدمت بعمود الكهرباء، وهي في طريقها إلى عملها، من منطقة مجدليون إلى مدينة صيدا جنوبي لبنان. كُسر أنفها ويدها جراء الحادث، كما لحقت بسيارتها أضرار جسيمة.

تعافت سامية من كسورها. وتسلمت سيارتها من ورشة التصليح. لكنها عندما عادت لتقود سيارتها من جديد صارت تشعر برجفة خفيفة في ساقيها، وبضربات قلب سريعة، وبالقلق والخوف من أن تفقد تركيزها مرة أخرى. بدأت تتعب من شدة حذرها وتركيزها، وتنهي مشوارها إلى عملها والعودة منه بإرهاق وتعب شديدين.

لم تطلب سامية المساعدة لتخفيف اضطرابها، لاقتناعها بأن الأعراض ستزول مع مرور الوقت.

هل تزول الأعراض بعد الحادث من تلقاء نفسها؟

اعتبرت الاستشارية في الطب النفسي الدكتورة هنادي جابر أن الأعراض التي تصيب الناس بعد تعرضهم للحوادث تختلف من مصاب إلى آخر.

وأشارت إلى أن "بعض ضحايا حوادث الطرق وليس جميعهم، ممن تعرضوا لحادث مفجع، يصابون بما يسمى اضطراب ما بعد الصدمة، وهذا الاضطراب من حيث أعراضه وحدته ومدة استمراره يختلف بدوره من شخص إلى آخر".

وذكرت أن "أحد هذه الأعراض هو إحياء التجربة، أي أن الضحية تستعيد صورة الحادث، وتعيش تفاصيله من جديد، وبشكل متكرر أحياناً".

هذا العارض حصل مع السيد باسم، فقد ظل يستعيد ما حصل معه تلك الليلة وهو في طريق عودته إلى منزله. كان الشارع بلا إنارة في منطقة الحدث، إحدى ضواحي بيروت. لم ير الدراجة النارية التي قفزت أمام سيارته فجأة. سمع صوت الارتطام وتطلب الأمر ثوانيَ عديدة حتى أدرك ما حصل. ملأه الرعب من أن يكون قد قتل سائق الدراجة. وعلى الرغم من اطمئنانه بأن الشاب ما زال حياً، إلا أن الصدمة كانت قوية واستمرت مفاعيلها عند باسم طويلاً.

وتابعت الدكتورة جابر بأن "أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة تتمثل كذلك في الإثارة المفرطة، التحاشي، الخوف، القلق، قلة النوم، عدم التركيز، آلام الرأس، الإسهال، تسارع ضربات القلب، التوتر الذي قد يصل إلى درجات حادة لدى البعض، ومنهم من يصاب بالاكتئاب".

لائحة الأعراض طويلة، تحددها نوعية الحادث وطبيعة الشخص الذي تعرض له. فقد رأت الاستشارية النفسية أن أعراضاً مثل "مشاعر الخوف، والذكريات المزعجة واضطرابات النوم تبقى في الإطار الطبيعي المقبول إذا ظهرت عند ضحايا الحوادث بعد وقوع الحادث مباشرة وحتى ثلاثة أو أربعة أسابيع بعده".

لكنها اعتبرت أن "ظهور الأعراض واستمرارها إلى ما بعد الأربعة أسابيع، خصوصاً إذا ازدادت سوءاً وبدأت تؤثر على الحياة اليومية وتعيق تأدية الوظائف، عندها نعتبر أن مريض اضطراب ما بعد الصدمة يحتاج إلى مساعدة مهنية".

علاج ما بعد الصدمة

القليل من الذين يتعرضون للصدمات النفسية بعد الحوادث، إن كانوا قد أصيبوا هم شخصياً أو فقدوا أحد أقاربهم وذويهم في حادث سير مفجع، يقصدون استشارياً أو معالجاً نفسياً لتلقي المساعدة والعلاج. وهذا ما حصل مع السيدة ناديا، التي فقدت ابناً شاباً في حادث سير في أحد شوارع بيروت. ظلت تكابر على نفسها وتعتبر أن حزنها الذي طال ودام أكثر من ثلاث سنوات، ثم تحول إلى كآبة وانعزال عن الحياة، أمراً طبيعياً. كيف لا وقد فقدت أغلى إنسان على قلبها. لكنها بمساعدة زوجها الذي أقنعها بضرورة زيارة طبيب نفسي يساعدها على استعادة رغبتها بالحياة، تخطت أزمتها إلى حد ما، ولا تزال تتلقى العلاج من صدمتها إلى اليوم.

الاستشارية النفسية أشارت في هذا السياق إلى "نوعين من العلاج تبعاً لحدة الاضطراب لدى الضحية: الأول وهو علاج سلوكي إدراكي يتم بمساعدة معالج نفسي، يخضع خلاله المصاب بأعراض ما بعد الصدمة لجلسات علاج فردي أو جماعي، تساعده على الاسترخاء وعلى تحويل الذكريات والأفكار الصادمة والمخيفة إلى أخرى غير مؤلمة. أما العلاج الثاني وهو دوائي، يتم عبر الطبيب النفسي الذي يصف لصاحب الحالة مضادات الاكتئاب للحد من قوة الاضطراب والتخفيف من أعراضه".

ضحايا حوادث الطرق بالأرقام

ضحايا حوادث الطرق، عنوان كبير ومؤلم جداً. ويتعمق ألمه كلما سمعنا عن حادث جديد تشهده الشوارع في كل بقاع العالم.

مئات الضحايا يموتون سنوياً بحوادث الطرق، لكنّ الكثيرين تُكتب لهم النجاة. فهناك أعداد كبيرة من الضحايا الأحياء لحوادث السير. هؤلاء هم من تعرضوا مباشرة لحادث مروري، وكذلك الأهل والأقارب والأصدقاء الذين يجدون أنفسهم وسط حال من الحزن والقلق والارتباك، والتي تصل إلى حالات اكتئاب شديد لدى البعض منهم. إنهم الضحايا الذين تحفر تلك الحوادث في أعماقهم ونفوسهم ندوباً وذكريات أليمة قد يصعب محوها ونسيانها.

وإن كانت كلفة حوادث الطرق مرتفعة اقتصادياً وبشرياً، لكن كلفتها النفسية لا تقل أهمية. وقد يسهل تقدير الأضرار المادية بعد الحادث، وتسوية تلك الأضرار غالباً. ولكن هل تسهل إزالة الأضرار النفسية؟

أشارت دراسة أعدتها الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب إلى أن الحوادث تتسبب سنويا بسقوط نحو 15 مليون جريح سنوياً على الصعيد العالمي.

ورأت الدراسة أن عدد جرحى حوادث المرور في الدول العربية 200 ألف شخص سنوياً، إذ تصل نسبة الإصابات في مصر إلى 2600 إصابة لكل 100 ألف نسمة، وتصل في السعودية إلى 13505 إصابات، وفي الكويت تقدر بحوالي 7606 إصابات لكل 100 ألف نسمة، وفي سلطنة عمان 352 إصابة لكل 100 ألف نسمة.

فقد بينت منظمة الصحة العالمية في تقريرها للعام 2013 أن حوادث الطرق تحصد أرواح 1.24 مليون شخص سنوياً على مستوى العالم. وتوقعت أن يرتفع العدد إلى مليون و900 ألف ضحية في العام 2020 إذا لم تتخذ تدابير تحول دون ذلك.

وبينت الإدارة الوطنية لسلامة المرور الأميركية أن هناك وفاة كل 16 دقيقة تقريباً، وإصابة كل 14 ثانية بحوادث الطرق في العام 2012، ما يعني مقتل نحو 92 شخصاً كل يوم في حوادث السيارات. أما عدد الجرحى، أي عدد الضحايا الأحياء لتلك الحوادث في العام 2012 فبلغ 2.36 مليون ضحية.

وترتفع أعداد حوادث المرور في العالم وعدد الضحايا الأموات والأحياء، إلا أن اليابان تشهد تراجعاً في ذلك. وبينت الشرطة الوطنية اليابانية في نشرتها أن 4113 شخصاً قضوا في العام 2014 على الطرق في اليابان، بتراجع نسبته 5.9 % عن العام 2013، في بلد يتجاوز عدد سكانه 127 مليون نسمة ويشهد حركة مرور كثيفة في مدنه الكبرى.

دلالات