العقوبات وطرد الدبلوماسيين: نهاية آمال تطبيع العلاقات الروسية الأميركية

04 اغسطس 2017
الصورة
القنصلية الأميركية في سان بطرسبرغ الروسية (سيرغي ميخائيليتشنكو/الأناضول)
+ الخط -
شكّل قرار الولايات المتحدة توسيع العقوبات بحق موسكو وردها بطرد 755 دبلوماسياً أميركياً، محطة مفصلية أخرى في تدهور العلاقات بين الكرملين والإدارة الأميركية الجديدة بعد تلاشي كافة الآمال بتطبيعها في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي وقّع على القانون رغم وصفه له بأنه "معيب".

في هذا السياق، أشار الباحث في مركز "كارنيغي" في موسكو، أندريه كوليسنيكوف، إلى أن "قرار موسكو ترحيل هذا العدد من الدبلوماسيين الأميركيين دفعة واحدة، ومن دون انتظار توقيع ترامب على قانون العقوبات، يدل على أن القيادة الروسية لم تعد تأمل في تحسين العلاقات مع واشنطن". وأضاف كوليسنيكوف، لـ"العربي الجديد"، أن "القيادة السياسية الروسية لم تعد تثق في قدرة ترامب على مواجهة منظومة التوازنات الداخلية وأن يصبح رئيساً مستقلاً عن النظام الديمقراطي الأميركي". واعتبر أن "ردّ موسكو جاء بمثابة أول مؤشر لاستعداد روسيا لإفساد العلاقات مع أميركا ـ ترامب"، متوقعاً المزيد من الإجراءات التصعيدية.

وتمحورت الموجة الجديدة من التصعيد الروسي الأميركي بترحيل موسكو عدداً غير مسبوق من الدبلوماسيين الغربيين حتى مقارنة بالأزمات في حقبة "الحرب الباردة" في عهد الاتحاد السوفييتي، بينما اتجهت واشنطن لتثبيت العقوبات على مستوى القانون، مما يجعل إلغاءها مهمة معقدة وغير واقعية في الأفق المنظور. وبعيد توقيع ترامب على قانون العقوبات، رأى رئيس الوزراء الروسي، دميتري مدفيديف، أن هذه الخطوة تشكل "نهاية لآمال تحسين العلاقات وإعلاناً لحرب تجارية متكاملة ضد روسيا، وأن إدارة ترامب أظهرت عجزها التام وسلمت مهامها التنفيذية للكونغرس".

في هذا الإطار، رأى الخبير في العلاقات الدولية، فلاديمير فرولوف، أن "العقوبات الأميركية الجديدة تختلف نوعياً عن سابقاتها، نظراً لتعذّر إلغائها إلا بعد استسلام موسكو وتغيير سياستها في أوكرانيا". وقال فرولوف في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن "العقوبات الجديدة هي نفس العقوبات القديمة، لكن في شكل قانون، ولم يعد بإمكان الرئيس إلغاؤها إلا بعد المشاورات وموافقة مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس، وتوفّر حقائق تؤكد تغيير السياسة الروسية في دونباس (منطقتا لوغانسك ودونيتسك في الشرق الأوكراني) والقرم". وأضاف أن "ترامب كان يريد فصل العقوبات عن الوضع في أوكرانيا، ولكن الكونغرس منعه من ذلك بموجب هذا القانون، ولم يعد الرئيس الأميركي قادراً على إبداء مرونة في تخفيف العقوبات، في مقابل التوصل إلى اتفاقات جديدة مع روسيا والتقدم في تحقيق اتفاقات مينسك للتسوية في شرق أوكرانيا".



وحول أبرز القطاعات التي تؤثر عليها العقوبات الأميركية الجديدة، لفت فرولوف إلى أنه "تم توسيع العقوبات القطاعية عن طريق إضافة شركات حكومية في مجالات التعدين والسكك الحديدية، وتشديد القيود على التمويل ووضع آلية قانونية لتطبيق العقوبات على صادرات الغاز الروسي، بما فيها مشاريع بناء خطوط أنابيب الغاز إلى تركيا وأوروبا". وعلى الرغم من شدة الرد الروسي على العقوبات من الوهلة الأولى، إلا أن فرولوف رأى بأن "الردّ منضبط إلى حدّ كبير ولا يغلق الباب أمام استعادة العلاقات، بل يحاكي الحزم لأغراض دعائية". ونوّه إلى أن "موسكو لا تقصد طرد 755 دبلوماسياً أميركياً ولم تعلن أحداً شخصاً غير مرغوب فيه، بل يجري الحديث عن مجرد تقليص العدد الإجمالي لموظفي بعثات السفارة في موسكو والقنصليات العامة في مدن سان بطرسبرغ ويكاتيرينبورغ وفلاديفوستوك إلى 455 بين الدبلوماسيين والموظفين الفنيين، بمن فيهم مواطنو روسيا".

في هذا السياق، ذكرت صحيفة "إر بي كا" الروسية أن "التسريحات ستطاول بشكل أساسي الموظفين الروس بالبعثات الدبلوماسية الأميركية، وليس الدبلوماسيين الأميركيين". ونقلت الصحيفة عن موظف سابق بالسفارة مطلع على الوضع قوله إن "العقوبات ستشكّل ضربة أقوى على الموظفين الروس، لأنه سيتم إيجاد وظائف للأميركيين، بينما سيبقى الروس بلا عمل. حتى قبل ذلك، كان الموظفون السابقون بالسفارة يواجهون صعوبات في إيجاد عمل بالجهات الحكومية الروسية". وكان المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، قد أكد في تصريحات صحافية سابقة أن "اختيار الموظفين المراد تسريحهم متروك للجانب الأميركي".



من جهته، وصف رئيس المجلس الروسي للسياسة الخارجية والدفاعية، فيودور لوكيانوف، الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأميركية بأنه "حرب باردة حقيقية"، مضيفاً في مقال بعنوان "حرب باردة ضد الجميع" نُشر بصحيفة "لينتا.رو" الإلكترونية، بأن "مسألة التسوية المشتركة للأزمات والمشكلات غير مطروحة، بل تم إعلان خفض التصعيد، أي استقرار المواجهة والتحكم فيها وليس التسوية، كهدف سياسي للمرة الأولى في بيان جنيف حول أوكرانيا في أبريل/نيسان 2014".

وأفاد كاتب المقال بأن "ذكر التسوية لم يرد سوى بعد نحو عام في اتفاقات مينسك التي لا تشارك الولايات المتحدة فيها بشكل رسمي". مع ذلك، نوّه لوكيانوف إلى أن "إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لم تكن عازمة على خوض حرب باردة متكاملة مع روسيا، بل كانت تحاول استخدام مسكنات، مما كان يؤدي إلى تدهور الوضع في بعض الأحيان، وصولاً إلى الانزلاق إلى عقلية الحرب الباردة الحقيقية في خريف عام 2016 بعد فشل جهود وضع آلية وقف إطلاق النار في سورية".

ورأى لوكيانوف أن "المتفائلين بأن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية كان سيمنع اندلاع الحرب الباردة، أساؤوا تقدير محيطه والأمزجة السلبية لدى الإستبلشمنت في الكونغرس"، مقراً بأنه "بعد مرور نصف عام على تنصيب ترامب، فإن الحرب الباردة أصبحت حقيقة".

واعتبر لوكيانوف أن "إفساد العلاقات مع روسيا يعكس التوجه العام للسياسات الأميركية، بما فيها الانسحاب من اتفاق باريس حول المناخ وعدم مراعاة المصالح التجارية للدول الأوروبية عند فرض العقوبات على روسيا، ووضع آليات للضغط على الصين وألمانيا وغيرهم". وخلص إلى القول إن "(أميركا أولاً) لم يعد مجرد شعار جميل، بل منهجية لا تنطبق بالدرجة الأولى على روسيا، بل على شركاء الولايات المتحدة وحلفائها".



المساهمون