العقوبات الأميركية: الغضب يتجاوز روسيا وإيران وخيارات ترامب محدودة

29 يوليو 2017
الصورة
العقوبات باتت على طاولة ترامب (جايبين بوستفورد/Getty)
+ الخط -
تحوّلت العقوبات الأميركية على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، إلى أزمة تخطت الدول المعنية مباشرة بها، تحديداً روسيا التي سارعت إلى طلب تقليص عدد الدبلوماسيين الأميركيين لديها، كرد فعل أولي وغير نهائي، وإيران التي توعدت بالرد.    
وبعدما كان الاتحاد الأوروبي، منذ أيام، حريصاً على توضيح موقفه من العقوبات محذراً من إقرارها خشية تداعياتها على شركات أوروبية، بعد إعراب عدة دول أوروبية، في مقدمتها ألمانيا وفرنسا، عن الغضب لأن القانون سيتيح للرئيس الأميركي فرض عقوبات على الشركات العاملة على خطوط غاز من روسيا من خلال الحدّ، مثلاً، من إمكانية وصولها إلى المصارف الأميركية أو استبعادها من الأسواق العامة في الولايات المتحدة، دخلت الصين، كطرفٍ في الأزمة، أمس الجمعة، معلنة رفضها لمثل تلك العقوبات، خصوصاً على جارتها كوريا الشمالية.

خيارات ترامب محدودة
ومع إرسال القانون إلى البيت الأبيض بعدما صادق مجلس الشيوخ الأميركي عليه مساء الخميس، كخطوة تلت تمريره في مجلس النواب يوم الثلاثاء الماضي، لم تتضح بعد نوايا الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو القانون الجديد، وما إذا كان سيتجنب المواجهة المباشرة مع الكونغرس، والرضوخ لإجماع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ضرورة معاقبة روسيا، رداً على تدخلها في الانتخابات الأميركية.

كما لم يُعرف ما إذا كان ترامب سيوقّع القانون الذي يمنح الكونغرس حق الفيتو على أي قرار رئاسي برفع العقوبات عن موسكو، أم سيختار المواجهة ويلتزم بأجندته للحوار مع الروس، ويمارس حقه الدستوري باستخدام الفيتو الرئاسي لإسقاط القانون، رغم التداعيات السياسية لمثل هذه الخطوة، في ظل تأزم العلاقة بين الرئيس الأميركي والمؤسسة الحزبية الجمهورية.

وجاء تصويت 98 عضواً في مجلس الشيوخ، مساء الخميس، لصالح القانون، بعدما صادق عليه مجلس النواب، يوم الثلاثاء الماضي، بأكثرية مطلقة بلغت تأييد 419 نائباً، مقابل اعتراض ثلاثة نواب فقط.

وفي الشق الروسي، يهدف القانون الأميركي الجديد إلى الرد على انتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، وعلى المؤسسات والمنظمات الحكومية الروسية التي تساهم في تقديم الدعم لنظام بشار الأسد في سورية. ورغم ترجيح المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض سارة هاكوبي ساندرز، أنّ "ترامب سيوقع على قانون العقوبات الجديد ضد روسيا رغم اعتراضاته السابقة، خصوصاً في ما يتعلّق بتضييق هامش مناورة الرئيس في مفاوضاته مع الروس"، إلا أنّ احتمال لجوء ترامب إلى الفيتو يبقى قائماً. كما ذُكر أن "البيت الأبيض كان قد أشار قبل ساعات من قرار مجلس الشيوخ، إلى أن هذا الإجراء ما زال قيد التقييم، وبدت مؤشرات متضاربة من جانب مساعدي ترامب، حول ما إذا كان الرئيس سيوقّع عليه أم لا.

وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، إن "العقوبات ستعالج الفشل في معاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، على ما وصفه بأنه "خرق مذهل" لانتخابات دولة ذات سيادة. وقال شومر "إن كل هذا يتغير". من جهته، أشاد السيناتور جون ماكين، وهو أحد خصوم ترامب البارزين من الجمهوريين، بالتدابير الجديدة بحق موسكو، معتبراً أنّها "ستُحمّل في نهاية المطاف روسيا مسؤولية هجومها الصارخ" على الانتخابات الأميركية. وقال ماكين، إن "تصويت مجلس الشيوخ الساحق يبعث برسالة هامة مفادها أن أميركا لن تتسامح مع الهجمات على ديمقراطيتنا أو مصالح الأمن القومي".



ولم يتأخر الروس بالردّ على الأميركيين، خصوصاً أن الرئيس فلاديمير بوتين قد أعلن، الخميس، أنّ موسكو سترد على "وقاحة" واشنطن، في الوقت الذي تعتبر فيه موسكو أن العقوبات تنهي التعويل الذي كان قائماً على تحسين العلاقة مع واشنطن.
وفي هذا الصدد، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أمس الجمعة، عن تقليص عدد الدبلوماسيين الأميركيين لدى روسيا إلى 455، ووقف استخدام السفارة الأميركية مخازنها بشارع "دوروجنايا" في موسكو واستراحتها في منطقة "سيريبرياني بور"، شمال غرب العاصمة الروسية. وذكرت الخارجية الروسية في بيان نشر على موقعها: "نقترح على الجانب الأميركي اعتبارا من 1 سبتمبر/ أيلول من العام الحالي، تقليص عدد الموظفين الدبلوماسيين والفنيين بالسفارة الأميركية بموسكو والقنصليات العامة في سانت بطرسبورغ ويكاتيرينبورغ وفلاديفوستوك، إلى نفس عدد الدبلوماسيين والموظفين الفنيين الروس الموجودين في الولايات المتحدة". وأضاف البيان: "يعني ذلك أن العدد الإجمالي للموظفين في البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأميركية لدى روسيا الاتحادية ينخفض إلى 455 شخصاً". ووصفت الخارجية الروسية العقوبات الأميركية الجديدة بأنها "ابتزاز يهدف إلى تقييد تعاون الشركاء الأجانب مع روسيا".
وفي سياق العلاقات الروسية الأميركية أيضاً، ذكرت صحيفة "إزفيستيا"، أمس، أن "واشنطن وافقت على تعيين نائب وزير الخارجية الروسي، أناتولي أنطونوف، سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة، خلفاً لسيرغي كيسلياك، الذي أنهى مهمته قبل أيام".


 
أما إيران، فاعتبرت على لسان كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي عباس عراقجي، العقوبات الأميركية الجديدة بأنها "إجراء عدائي، وأن الرد الإيراني عليها سيكون حازماً"، مشيراً إلى أن "قانون العقوبات الأميركي الجديد لا يفرض عقوبات جديدة، وإنما يستهدف تجميع العقوبات الأميركية السابقة في المجالات غير النووية، وهذا من شأنه أن يلقي بظلاله على تنفيذ الاتفاق النووي".

وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد حذر من أن بلاده "سترد بالشكل المناسب على العقوبات الأميركية الجديدة". وأضاف أن "العقوبات غير مفيدة ولن تغيّر شيئاً". ولفت إلى أن "طهران ستتابع سياساتها وطريقها بخطى ثابتة". وأكد روحاني أن "إيران ستواصل تطوير بنيتها العسكرية الدفاعية، بما فيها المنظومات الصاروخية بكافة أشكالها"، لافتاً إلى أن "هذه العقوبات غير مؤثرة بالنسبة لنا، فهي لن تقلل مقاومة الناس هنا، ولن تغير شيئاً في سياسات ونهج النظام في إيران". وشدّد على أنه "في حال تنصّل العدو من تعهّداته، فإننا سنقوم بالشيء نفسه، وإن ضرب كل التزاماته عرض الحائط، فإننا سنفعل ذلك أيضاً. سنواصل سياساتنا دون أي تغيير، وسنقوم بكل ما يلزم دون أخذ العقوبات الأميركية بعين الاعتبار".

وكانت الولايات المتحدة فرضت قبل أكثر من أسبوع عقوبات جديدة على إيران بسبب برنامجها للصواريخ البالستية، وأعلنت الخارجية الأميركية عقوبات بحق 18 فرداً وكياناً للاشتباه في صلتهم بدعم البرنامج الإيراني للصواريخ البالستية وغيره من الأنشطة العسكرية غير المتعلقة بالبرنامج النووي. ويفرض المشروع عقوبات على الحرس الثوري الإيراني بتهمة دعم الإرهاب.

امتعاض صيني
بدورها، انتقدت الصين، أمس، العقوبات "الأحادية" التي أقرها الكونغرس الأميركي ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، مؤكدة أن "الصين ستتصدّى بحزم لأي إجراء يسيء إلى مصالحها". وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية، لو كانغ، إنه "لطالما أكدت الصين أن الخلافات بين الدول ينبغي حلها بالتفاوض". وتابع خلال مؤتمر صحافي روتيني: "إننا لا نوافق على إقرار عقوبات أحادية. والصين ستتصدى بحزم لأي إجراء يسيء إلى مصالحها". وقد تنعكس العقوبات الأميركية على شركات صينية تعمل في الدول المستهدفة، وخصوصاً كوريا الشمالية التي تعتبر بكين حليفها الاقتصادي والسياسي الأساسي.

من جانبها، أعلنت اليابان، الجمعة، عن عقوبات على شركتين صينيتين تتهمهما بتبييض أموال كورية شمالية، ما يسمح لطوكيو بتشديد الضغط على بيونغ يانغ. وقال لو كانغ "إننا نعارض إقرار عقوبات أحادية من قبل أي دولة خارج إطار مجلس الأمن". وتابع "إن اليابان تضر بنفسها، فإن طبّقت هذه العقوبات، سيثير ذلك عقبات سياسية كبرى بين طوكيو وبكين، وستكون اليابان مسؤولة عن العواقب".

(العربي الجديد، رويترز، فرانس برس)

المساهمون