العصر النفطي الأميركي

العصر النفطي الأميركي

05 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
على مشارف عامه الثالث رئاسياً، بدا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، واثقاً أكثر من اللازم في شأن إنتاج النفط الأميركي. قد يكون الرجل الأكثر اهتماماً بهذا الموضوع من بين الرؤساء السابقين، الذين اختاروا السيطرة على بلادٍ نفطية عسكرياً، أو كسب دول نفطية إلى جانبهم عبر ابتزازهم سياسياً. ترامب ذهب إلى أبعد من ذلك. حضّ منتجي النفط في بلاده على إنتاج المزيد منه، وسعى إلى تكريس دور بلاده في الغاز الصخري، عبر شحن كمياتٍ كبيرة منه إلى دول البلطيق.
جديد الأرقام في هذا الصدد، هو ما نقلته مجلة فوربس عن "إدارة معلومات الطاقة الأميركية" أن "الولايات المتحدة أنتجت، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، 11.5 مليون برميل من النفط يومياً، وهو رقم قياسي للبلاد". وهو ما وضع الولايات المتحدة في خانة "البلد الأكثر إنتاجاً للنفط في العالم"، متخطّيةً روسيا والسعودية. كما أن "الإدارة" تأمل في أن يبلغ معدل الإنتاج اليومي 12.1 مليون برميل يومياً، في عام 2019، في خطّةٍ مقرّرة من ترامب للحفاظ على التوازن بين أسعار النفط المتدنية حالياً وحاجات المستهلكين، خصوصاً في ظلّ العقوبات المفروضة على النفط الإيراني. كما بوشر العمل على شبكة أنابيب جديدة في ولاية تكساس، بغية نقل 1.74 مليون برميل يومياً، في عامي 2020 و2021.
وعلى الرغم من اعتبار الكاتبة في "فوربس"، إيلين وولد، أن "الأمر يبشّر بمستقبلٍ واعدٍ للإنتاج الطاقوي الأميركي"، لكنها عادت واستدركت بأن "الأمر مجرّد توقعات، والتوقعات قد لا تصيب". وكشفت عن "دراسةٍ لشركة ريستاد للطاقة، نُشرت في صحيفة وول ستريت جورنال، أن الآبار تنتج أقل بـ10% من خطط الشركات النفطية، وفي بعض الحقول أقل بنسبة 50%". وهو ما يُحدث مشكلةً جديدة بالنسبة للكاتبة التي رأت أنه "في حال تجاوز سعر البرميل الـ50 دولاراً، فإن كل التوقعات وخطط الإنتاج قد تتوقف".
يشير ذلك كله إلى أن العنوان النفطي سيكون أساس حملة ترامب الانتخابية لولاية ثانية، في عام 2020. ومع خروجه من اتفاقية باريس للمناخ في يونيو /حزيران 2017، كان واضحاً ما يفعل. وكذلك كلامه في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أن "سبب وجود القوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط لم يعد النفط، بل حماية أمن إسرائيل. النفط كسبب للبقاء تتضاءل أهميته، لأن إنتاجنا منه في الوقت الحالي أكبر من أي وقت مضى". صحيح أن الأميركيين بدأوا الخروج من سورية، غير أنهم باقون في العراق. وبطبيعة الحال، فإن روسيا تحمي الأمن الإسرائيلي أيضاً، غير أن كلام الرئيس الأميركي عن النفط، لا يهدد فقط مسألة إنتاج النفط العالمي وتأثيره على حياة المجتمعات والأنظمة في كل بلد، بل أيضاً لتكريس ارتباط الدولار بالنفط، الذي تكرّس إثر أزمة 1973، وقطع النفط عن الغرب. مع العلم أنه في 11 فبراير/ شباط 1974، أعلن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر عن "خطة لجعل الولايات المتحدة مستقلة في قطاع الطاقة". وهنا ما يبدو أن ترامب يفعله.
في الواقع، تسير الخطط الترامبية لجعل الداخلي أولاً، والعالمي ثانياً، على النفط الأميركي، على قدمٍ وساق، في ظلّ الخلافات الدائمة بين الدول المنتجة للنفط في منظمة أوبك، وفي ظلّ العقوبات المفروضة على دول نفطية (روسيا وإيران وفنزويلا مثلاً). ومن شأن دخول الأميركيين على خط النفط العالمي بقوة، أن يفسح المجال أمام خياراتٍ عدة لمختلف الدول الصناعية. مع ذلك، يبقى السؤال الأهم بشأن قدرة مواجهة الدول النفطية الحالية لخطط ترامب، واستطراداً الخطط الأميركية عامةً.
من الطبيعي أنه حتى الآن لا توجد قدرة فعلية للحدّ من التقدم الأميركي نفطياً في السنوات المقبلة، خصوصاً في مسألة رفع أسعار النفط التي بات ترامب عملياً متحكّماً فيها حتى إشعار آخر.