العشابون.. ملاذ فقراء المغرب للعلاج

العشابون.. ملاذ فقراء المغرب للعلاج

23 يناير 2017
الصورة
إقبال على التداوي بالأعشاب (ميشيل سيتبون/Getty)
+ الخط -
لم يحصلوا على شهادات جامعية ولا يتوفرون على مؤهلات علمية، يتسلحون بثقة يعززها الطلب المتزايد عليهم يوما بعد آخر. منهم من يحتال بطرق ذكية، ويدعي القدرة على علاج الأمراض المستعصية وفك النحس والحسد وعلاج العقم والضعف الجنسي. إنهم العشابون ملاذ الكثير من الفقراء الذين أنهكهم المرض وارتفاع تكاليف العلاج الطبي، أو فقدوا الأمل في رحلات العلاج المضنية.

محلات جذابة

محلات ومراكز للعشابة بواجهات جذابة تتزايد يوما بعد آخر بمختلف المدن المغربية، جولة واحدة بأحياء شعبية كافية للتعرف إلى هذا العالم ورواده من فئات عمرية مختلفة. خلطات أعشاب صالحة لكل زمان ومكان، وجلود حيوانات، وأعشاب مختلطة في قنينات. ولجلب الزبائن كل يوم يستعين "العشابون" بعدة أساليب، منها "تأجير" أشخاص يتظاهرون أمام الزوار بأنهم جرّبوا "الوصفات" وحصدوا نتائج إيجابية.

زارت مراسلة "العربي الجديد" محلا مشهوراً لبيع الأعشاب، يخصص يومي الخميس والجمعة لجلسات وخز النحل، وباقي الأيام لاستقبال المرضى وتشخيص عللهم.

غرفة انتظار وملصقات هنا وهناك عن فوائد الأعشاب المختلفة والأمراض التي تعالجها، المسؤول عن المحل، الحاج المدني، واحد من مزاولي هذه المهنة منذ أكثر من 15 سنة، قال لـ"العربي الجديد" إن "هذه المهنة لا تتأتى بالعلم والدراسة، بل فقط بالخبرة والتجربة، ويفخر بكونه واحداً ممن منحتهم أسرارها العظيمة".


وأضاف: "في كل عشبة حكمة، حكمة في حسن استعمالها، جافة أو طرية، وحدها أو ممزوجة مع مكون ثان، وتحديد الكمية المطلوبة، وفي النهاية، لا نرغم أحداً على شراء منتجاتنا، بل إن الناس يفضلون التداوي بالأعشاب عوض العقاقير الطبية، وهذا سر إقبالهم الكبير".

وتابع: "كما أن الأسعار معقولة، تتفاوت حسب الأمراض، وعدد الجلسات المطلوبة للعلاج، ونوعية الأعشاب اللازمة".

وأوضح المدني أنه يستعين بخبرته الطويلة في المجال، ولا يحتاج إلى أن يطلب من المريض أي نوع من التحاليل والفحوصات، إلا إذا بدت له صفرة واضحة، أو هزال بيّن في الجسم"، مشيرا إلى أن معظم الحالات التي عالجها لم يواجهه فيها أي مشكل.

في محل المدني، تحدثت سيدة في الأربعينيات من عمرها بقناعة وامتنان عن فضل الخلطة "السحرية" التي جعلتها تسترجع قدرتها على المشي بعد أن أصابها نوع من الروماتيزم، ولم تعد تقوى على المشي مدة عام، إلى أن "استنجدت" بالمدني الذي وصف لها خلطة أعشاب للدهن وأخرى للاستعمال منقوعة في الماء، فكانت النتيجة مشجعة لها على الاستمرار".

أعشاب لعلاج كل العلل (تويتر)


أما رقية (35 عاما)، فقالت إنها كانت تعاني من العقم الذي دفعها إلى تجريب كل العقاقير وخلطات الأعشاب، لكن دون جدوى، بل كانت نتيجة تعاطيها إصابتها بالتهابات في الرحم.

وأضافت: "لم أكن أفكر يوما في الاستعانة بخدمات العشابين قصد الإنجاب، لكن حلم الأمومة جعلني أنصاع وراء هذا الوهم الذي كاد يعصف بصحتي، فقد وصف لي العشاب وصفة على شكل تحاميل عشبية لم تؤت النتيجة المطلوبة".

وتابعت: "جربت تلك التحاميل، لكنني أصبحت أشعر بحكة وألم لأكتشف بعد زيارة طبيبة متخصصة أنني أعاني من التهاب في منطقة الرحم".

وتنصح رقية السيدات بعدم الانصياع وراء الأعشاب وتجريب الوصفات لعدم وجود ضمانات، محذرة من أن يدفع الإنسان صحته ثمنا لهذه المغامرة.

في المقابل، أوضح العشاب إبراهيم، لـ"العربي الجديد"، أنه لا يمارس هذه المهنة اعتباطا أو رغبة في الربح، بل إن تكوينه العصامي لمدة خمس سنوات مكنه من الاطلاع على كتب الطب البديل والتداوي بالأعشاب.

وقال: "قرأت أمهات الكتب، وجربت عشرات الخلطات المفيدة للعقم والرشح والسحر، كما أنني متابع جيد لتطورات طب الأعشاب، وهذا ما يجعلني أخضع العديد من الخلطات للتجارب الذاتية للتأكد من نجاعتها".

وأشار إلى أن "هذه أعشاب معروفة تاريخيا بنجاعتها، فقط يبقى الفرق في كيفية مزجها واستعماله لنوعية المرض، لا مجال هنا للخداع أو الوهم، فالهدف هو مساعدة طالبي الخدمة على التعافي".

خلطات سحرية

تخطت محلات العشابة الأحياء الشعبية إلى العالم الافتراضي، إذ إن نقرة واحدة على محرك البحث "غوغل" تقودك إلى عالم العشابة والعطارة وروادها في مختلف المدن المغربية، والذين أنشـأوا صفحات خاصة بهم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كما وضعوا أرقام هواتفهم رهن إشارة الراغبين في خدماتهم.

وكالة الأعشاب الصحراوية، واحدة من الصفحات النشيطة في هذا الميدان، يعمد الشخص الذي يسيرها إلى استقطاب الفتيات المهووسات بتبييض الوجه وزيادة الوزن. وبعد محادثة قصيرة على فيسبوك، أكد أن الوصفة المطلوبة عنده، متعهدا بأن سيرسلها للمعنية بالأمر بعد أن يتوصل بنصف المبلغ في حوالة بنكية.

مخاطر صحية

اعتماد الأعشاب الطبية من أجل التطبيب يفتقر إلى مرجعية علمية، حسب الدكتور عبد العالي بناني، الاختصاصي في الأمراض الباطنية، الذي حذر من خطورة اللجوء إلى الطب الشعبي والاستعانة ببعض الوصفات التي يروج لها العطارون على أساس أنها تشفي الكثير من الأمراض المستعصية، مضيفا أنه وقف على تسممات في الجهاز الهضمي بسبب تعاطي تلك الأعشاب.

وتساءل بناني: "هل يتم بيع هذه الأعشاب برخصة؟ وما هي شهادة المعالج التي تؤهله لخلط مكونات مجهولة قد تتسبب في حدوث إسهال أو التهابات وتسممات، بل وإلى مضاعفات خطيرة كتأثيرها على عمل القلب والقصور الكلوي الحاد؟

وحمّل بناني مسؤولية ما وصفه بـ"فوضى العلاج بالأعشاب" لوزارة الصحة، مؤاخذا عليها غياب دور مراقبة هذه المحلات التي تتكاثر يوما بعد آخر.

بدوره، أوضح الصيدلاني عماد معزوزي أن الخطر يكمن في الطريقة التي يتم بها تناول هذه الأعشاب عشوائيا ودون ضوابط أو معايير، عكس الأدوية التي تحترم كميات محددة لا ينبغي تجاوزها.

أما المحامي عبد الرحيم زينان، فاعتبر أن الفراغ القانوني في التعامل مع التجاوزات التي تحدث في مجال الطب البديل يشجع على انتشارها بما لها من آثار سلبية على صحة المواطن. وأكد زينان أنه في غياب النصوص القانونية التي تنظم نشاط العلاج بالأعشاب، تكون مهمة القاضي صعبة للبت في شكاوى المواطنين: ''تتم معالجة هاته القضايا وفقا للسلطة التقديرية للقاضي''.