العرب والصين .. الحوار مجدّداً

12 يوليو 2020
الصورة

عبر تقنية الاتصال المرئي، استجابة لظروف انتشار فيروس كورونا في العالم، انعقد، قبل أيام، الاجتماع الوزاري التاسع في إطار منتدى التعاون العربي الصيني، برئاسة وزيري الخارجية الأردني أيمن الصفدي والصيني وانغ يي. وأبرز ما تناوله الاجتماع، التركيز على "بناء مجتمع المصير المشترك" للبشرية، بحسب التعبير الصيني الدارج، وغير خافٍ أن هذه المسألة نبعت من خطر مرض كوفيد 19 الذي أصاب ملايين البشر، وتريد الصين أن تجعل من انتشاره دافعاً إلى التعاون مع مختلف مناطق العالم، ومنها المنطقة العربية، في إطار مبادرة الطريق والحزام التي تتبناها منذ العام 2013.

أكد الاجتماع، كما الاجتماعات المماثلة في السنوات الماضية، على ضرورة توثيق العلاقات العربية الصينية في مجالات السياسة والاقتصاد والصحة، وعلى الصداقة التاريخية التي تربط الأمتين، العربية والصينية، إلى آخر ذلك من رطانة المجاملات التقليدية التي تسم العلاقات العربية الصينية، ونادراً ما تغوص في خطط استراتيجية ذات طابع حضاري تعالج ما يحتاجه العرب حقاً من أدواتٍ لتنمية اقتصادية غير تابعة، وفي مقدمتها التكنولوجيا المتطورة وتنمية مواردها البشرية. وقد تلقى الاجتماع رسالة من الرئيس الصيني، شي جينغ بيغ، أشار فيها إلى خطابه التاريخي الذي ألقاه لدى افتتاحه الاجتماع الثامن في بكين، العام 2018، وتحدّث فيه عن تأسيس شراكة استراتيجية بين الجانبين، معتبراً، في رسالته هذه المرة، أن الجانبين عزّزا، خلال العامين الماضيين، التنسيق الاستراتيجي وشراكة الأعمال، على طريق ما سماه "التعاون الشامل والتنمية المشتركة".

الصين هي التي توجه شكل العلاقات العربية الصينية أكثر مما يفعل العرب، وهو حالٌ ليس مفيداً

وكان شي، في ذلك الخطاب، قد طرح مبادرة للتعاون العربي الصيني على أساس نقاط ثلاث: التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة، وتحسين الهيكلة التجارية بين الجانبين، التي تتركز في استيراد النفط العربي وتصدير المنتجات الصينية الرخيصة، عبر استيراد الصين منتجاتٍ غير نفطية من الجانب العربي في مقابل زيادة الاستثمارات الصينية في المنطقة العربية. وأخيراً، وهي النقطة الأكثر أهمية لمستقبل العالم العربي؛ الارتقاء بمستوى التعاون في مجال التكنولوجيا بحيث يستفيد الجانب العربي من التطور التكنولوجي الذي حققته الصين، خصوصا في مجالات الطاقة النووية والفضاء والطاقة الجديدة. وأضاف الرئيس الصيني يومها أن بلاده ستستورد، خلال خمس سنوات، سلعاً وبضائع بقيمة إجمالية تتجاوز 10 تريليونات دولار أميركي، فيما ستستثمر أكثر من 500 مليار دولار استثماراً مباشراً في الخارج. مضيفاً أن قيمة البضائع التي استوردتها الصين في 2013 من الدول العربية بلغت نحو 140 مليار دولار فقط، وهذه تساوي 7% من الواردات الصينية السنوية البالغ قيمتها نحو تريليوني دولار، كما بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة في الدول العربية 2.2 مليار دولار، أي 2.2% فقط من الاستثمارات الصينية المباشرة التي ستصل قيمتها السنوية إلى مائة مليار دولار في السنوات المقبلة. وقال شي أمام الاجتماع الثامن "إن الصين حريصة على تحقيق الالتقاء في ما بين التنمية فيها والتنمية في الدول العربية، بما يقدم دعما لما تعمل عليه الدول العربية من زيادة نسبة التوظيف وتعزيز العملية الصناعية ودفع التنمية الاقتصادية".

ولمّا كان الرئيس الصيني قد لمس في خطابه ذاك، قبل سنتين، جوهر مشكلة العلاقات العربية الصينية الراهنة، المتمثلة في أنها تقوم على شكل مختلٍّ من التجارة، قوامه تصدير النفط العربي إلى الصين في مقابل استيراد المنتجات الصينية، من دون خطة استراتيجية تهدف إلى الإفادة من الصين، بوصفها قوة عالمية صاعدة، في جسْر الهوة الحضارية التي يعيشها العرب مع العالم، ومن ذلك في مجال استيعاب التكنولوجيا وتوظيفها لإنتاج المعرفة وتطوير الصناعة، فقد كان على الاجتماع التاسع الأخير، أن يراجع مدى التقدّم في هذه النقاط الأساسية، وما إذا كانت العلاقات العربية الصينية باتت تتجه نحو تصحيح هيكلها نحو العلاقات الاستراتيجية، حضارية الطابع أم لا، غير أن الاجتماع جاء على مراجعة العلاقات التجارية بين الجانبين، ومفادها بأن حجم التبادل التجاري بينهما بلغ 266.4 مليار دولار في العام 2019، بزيادة نسبتها 9% على أساس سنوي، حيث بلغ حجم الصادرات العربية إلى الصين 146 مليار دولار، بزيادة 4.8% عن العام السابق 2018، بينما بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى الدول العربية 120.4 مليار دولار، بزيادة 14.7% عن العام 2018. أما الاستثمارات الصينية المباشرة في الدول العربية فقد ارتفعت إلى 1.42 مليار دولار في العام 2019، بزيادة نسبتها 18.8%، كما بلغت قيمة عقود المشاريع التي وقعتها الشركات الصينية مع الدول العربية 32.5 مليار دولار، بانخفاض 8.7% عن العام 2018.

يستنسخ العرب في علاقتهم مع الصين شكل علاقاتهم مع القوى الكبرى الأخرى، بدلاً من السعي إلى لعب دور الند، بالاستفادة من قدراتهم المالية الهائلة وتوفرهم على النفط

تعرّض الاجتماع الوزاري التاسع، أيضاً، إلى قضايا تحتاج فيها الصين دعماً سياسياً، وفي مقدمتها قضيتا هونغ كونغ وقومية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ الصيني، حيث أبدت الصين شكرها للدول العربية على ما اعتبرته "دعمها" فيهما، مكرّرة في المقابل موقف الصين الجذري تجاه القضية الفلسطينية، وقوامه الوصول إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يتطابق مع الموقف السياسي للدول العربية.

ويبدو أن الظروف المستجدة نتيجة فيروس كورونا، التي انعكست سلبياً على صورة الصين أمام العالم نتيجة تركيز الإعلام الغربي، والأميركي تحديداً، على اتهام الصين بتصدير المرض، هي على الأغلب التي جرّت الاجتماع الوزاري نحو التركيز على القضايا الصحية، والحديث عن أن الصين والدول العربية قدّمت مساعدة متبادلة منذ تفشّي المرض، وهي مسألة تسعى الصين إلى التأكيد عليها في علاقاتها مع كل الدول هذه الأيام، بهدف تحسين صورتها وتقديم نفسها قوة كبرى تتحلى بالمسؤولية تجاه العالم.

الظروف المستجدّة نتيجةكورونا انعكست سلبياً على صورة الصين نتيجة تركيز الإعلام الغربي، والأميركي تحديداً، على اتهام الصين بتصدير المرض

وإذا كان هذا الأمر يعني شيئاً، فإن الصين هي التي توجه شكل العلاقات العربية الصينية أكثر مما يفعل العرب، وهو حالٌ ليس مفيداً على المدى البعيد، إذ يستنسخ فيه العرب شكل علاقاتهم مع القوى الكبرى الأخرى، بدلاً من السعي إلى لعب دور الند، بالاستفادة من قدراتهم المالية الهائلة وتوفرهم على مادة النفط التي تحتاجها الصين في صعودها الاقتصادي المستمر منذ أربعين عاماً. وما دام الاجتماع الوزاري أكد، في نقاشاته، أنه "لا يزال أمام الجانبين طريق طويل ينبغي أن يسلكاه لبلوغ مستقبل مشترك"، فإنه سيظل مطلوباً من العرب أن يتعاطوا مع الصين بخطط استراتيجية بعيدة المدى، كي يكون لهم مكان ذو قيمة في ذلك المستقبل المنشود، ومن المفروغ منه أن ذلك لن يتحقق، إذا استمرّوا في التعامل مع الصين فرادى.