العرب في محافل سينمائية دولية: نقاط القوة والضعف

29 ديسمبر 2018
الصورة
نادين لبكي والطفل بطل فيلم "كفرناحوم" (Getty)
+ الخط -
خلال عام 2018، تعدّدت المشاركات العربية في المهرجانات السينمائية الدولية الكبرى، في برلين و"كانّ" وفينيسيا، تلك المصنَّفة "فئة أولى". ورغم غلبة الأفلام القصيرة والوثائقية في السينما العربية، إلاّ أنّ الأفلام الروائية الطويلة كانت الأكثر مشاركة وحصدًا للجوائز، علمًا أنّ السينما المغربية هي الأكثر حضورًا، مقارنة بالسينما المصرية واللبنانية، وهذه الأخيرة حصدت جائزة رفيعة.

"برليناله 68": غياب جوائز

في الدورة الـ68 (15 ـ 25 فبراير/ شباط 2018) لـ"مهرجان برلين السينمائي الدولي"، لم تشارك أفلام عربية في المسابقة الرسمية، بل في التظاهرات الفرعية، ولم تفز بجوائز. وذلك على عكس الدورة السابقة. في "قسم المنتدى"، عُرِضَ فيلمان روائيان مغربيان، هما "الجاهلية" لهشام العسري و"بلا موطن" لنرجس النجار. وثائقيًا، هناك "حَبّ بَرّي" للفلسطينية جُمانة منّاع في القسم نفسه، و"الجمعية" للّبنانية ريم صالح (بانوراما)، إلى أفلام قصيرة في أقسام أخرى.

"الجاهلية" هو الروائي الطويل الـ6 للعسري، الضيف الدائم لمهرجان برلين، خصوصًا في الأعوام القليلة الأخيرة. لم يحد الفيلم كثيرًا عن الخط الإخراجي الذي يتبعه العسري، وهو، كبقية أفلام صانعها، إما أن يُحبّها المُشاهد أو يكرهها، إما أن يتفاعل معها أو لا. لكن، بالتأكيد، للعسري صوت خاص متفرّد ومتميّز، مغربيًا وعربيًا.

يتناول الفيلم، في إطار كوميدي سوداوي فانتازي، شخصيات تتصارع فيما بينها. ليس شرطًا أن تلتقي قصص هؤلاء في الزمان والمكان والأحداث. أحيانًا، لا رابط بينها وبين الشخصيات نهائيًا. فهي والشخصيات تشكّل حالة انتقاد اجتماعي وسياسي وديني للمغرب والعالم العربي، علمًا أن محورها الأساسي ينطلق من المرأة، ضحية الاضطهاد في كلّ مكان وزمان.

أما "بلا موطن" للنجار، فيُعتبر من أفلام القضايا الكبرى بامتياز. يتناول إطاره العام قضية المغاربة المطرودين من الجزائر، بسبب مشكلة تتعلّق بأوراقهم الثبوتية وهويتهم وانفصامهم بين بلدين. لم ينطلق من خلفية السياسة ليطرح بيانًا ثوريًا لشجب أو إدانة هذا الواقع العبثي المُلتبس، أو لتسجيل موقف سياسي. فالنجار اقتربت من الموضوع من مُنطلق إنساني بحت. غير أن المُشكلة كامنةٌ في أنه مهما بلغ نبل الالتزام الفني وصدق النوايا، يبقى هذا غير كافٍ لصناعة فيلم جيد ومُتماسك ومشوّق.

فـ"بلا موطن" يفتقد جوانب كثيرة أضعفته، في السيناريو والحوار والمواقف والأداء. أمور تحتاج إلى ضبط وتنقيح وتحرّر من الـكليشيهات" وممّا هو مُستهلك في السينما العربية. لكن النجار لم تفلت من هذا، رغم جرأة بعض المَشاهد.

لجمانة منّاع حضور سابق في الـ"برليناله" عائد إلى عام 2016، مع الوثائقي "مادة سحرية تسري داخلي". في دورة 2018، شاركت بـ"حَبّ برّي"، المهم جدًا والمصنوع بشكل جيد للغاية: يتناول صورة من صُور الحرب السورية وانعكاساتها على الزراعة والنباتات والبذور، وارتباط هذا بالبشر، فتخرج في النهاية صورة عامة تربط بين هذه المفردات كلّها.

فبالإضافة إلى الفكرة، هناك معلومات مهمّة وكثيرة: في "سفالبارد" (جزيرة نرويجية بالقرب من القطب الشمالي)، هناك قبو (معروف دوليًا) تُخَزَّن فيه أنواع البذور كلّها من كافة أنحاء العالم للحفاظ عليها، ولإعادة زراعتها مجدّدًا عند وقوع كارثة كونية، أو انقراض سلالة نباتية. إليه، تذهب كاميرا منّاع، وتهبط إلى تحت الأرض لتُظهر أنواعًا كثيرة كانت تزرع في سورية، ولم تعد تُزرع بسبب الحرب. فيه، حُفِظت بذور سورية عديدة، بعد خروج أحد مراكز الأبحاث الزراعية الدولية من سورية عام 2012. ثم تنتقل إلى لبنان، إذ نُقِلت بذور سورية أيضًا لزراعتها فيه، كمحاولة لبعث الحياة مُجدّدًا في تلك السلالات النباتية.

"الجمعية" أول وثائقيّ لريم صالح، عملت عليه بصبر ودأب 7 أعوام. فكرته جديدة وغير مُنتشرة في غالبية المجتمعات. تضمّ الجمعية أفرادًا يتّفقون فيما بينهم على جمع بعض المال معًا، ومنحه لاحقًا لأفرادها بالترتيب، وفقًا لحاجاتهم. في بداية الفيلم، يتمّ التعرّف على هؤلاء (10 أفراد)، الذين احتلّوا مساحات زمنية مُتفاوتة الحجم في سياق الفيلم الذين انكشفت خلفياتهم الإنسانية، وحاجات كل واحد منهم، وكم هي مُلِحَّة فعليًا.

وعبر طرح الفكرة والشخصيات، تُقدِّم المخرجة اللبنانية المُبرِّر الفني لرصدها ذاك الحي البائس، وحياة تلك الشخصيات الغارقة في فقرها وأمراضها المُزمنة ومشاكلها الأبدية. مع انتصاف الفيلم، تفقد الفكرة بريقها، وتستنفد أغراضها التي لم تعُد صالحة لتحمِلَ على كتفيها مدّته الباقية. لذا، انزلقت صالح، من دون إدراك تام، إلى مَشاهِد لا تمتُّ بصلة إلى الفكرة الرئيسية، ولا تضيف أبعادًا جديدة للشخصيات، ولا تساهِم في تعميقها. لكن المُلاحظ أنها مفتونة بالشخصيات التي تُقدّمها في فيلمها هذا، والتي تلتقطها الكاميرا.



"كانّ": حضور لافت
من الأحداث النادرة خلال عام 2018، اشتراك فيلمين عربيين في المسابقة الرسمية لمهرجان "كانّ"، في دورته الـ71 المنعقدة بين 8 و19 مايو/ أيار، هما "كفرناحوم" للّبنانية نادين لبكي، الفائز بجائزة لجنة التحكيم، و"يوم الدين" للمصري أبو بكر شوقي. مقارنة بفيلميها السابقين، "سكّر بنات" (2007) و"وهلأ لوين؟" (2011)، يُظهر "كفرناحوم" تطوّرًا كبيرًا، وإنْ لم يصل إلى مرحلة النضج الفني التام، أو إلى التَمَكُّن الحِرَفي الملحوظ، والسيطرة على مُختلف جوانب العمل، وخلق الانسجام والاتساق بين مُكوّناته (أي بين الشكل والمضمون).

هذا الفيلم لا يتناول قضية واحدة فقط. وكغالبية الأفلام التي تتصدّى لقضايا كبرى، اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو دينية، يعجز فيلم لبكي عن طرح قضية واحدة من تلك القضايا ومناقشتها وتعميقها، وحَملِهَا والمضي بها حتى النهاية. هي تريد تصوير هذا كلّه بمُنتهى الصدق، ولفت الانتباه إليه.

في الوقت نفسه، تجعله استعارة لوقائع الدول العربية، والارتقاء بهذا كلّه إلى مصاف القضايا الإنسانية العالمية. إلاّ أنّ الوجهة تائهة، والخطوات متعثرة.

أما "يوم الدين"، فحاصلٌ على "جائزة فرانسوا شاليه"، الممنوحة لأعمالٍ تُكَرِّس قيم الحياة والصحافة. يندر أصلاً اشتراك الفيلم الأول في المسابقة الرسمية لـ"كانّ"، لكن "يوم الدين" تمكّن من تحقيق هذا الأمر لميزات عديدة فيه، منها تناوله موضوعًا يندر اختياره، وخوضه في منطقة شائكة وحسّاسة بجرأة وحساسية مرهفة. ومع بعض المبالغة، يُمكن القول إنّ "يوم الدين" من الأفلام الصادمة، في مستويات مختلفة: الموضوع والمعالجة والشخصيات وأماكن التصوير.

قصّته بسيطة وعميقة من دون الانزلاق إلى المليودرامية أو غيرها من الـ"كليشيهات". طريقة تناولها وطرحها تبرهن على أن للمخرج رؤية مُغايرة. طبعًا، يصعب عليه إظهار كلّ قدراته الفنية والسينمائية والفكرية والفلسفية في فيلمه الأول، لكن بالتأكيد يُمكن تلمّس توجّهه، والكيفية التي يُفكر بها، والعين التي يرى بها السينما والعالم. في "يوم الدين" نقاط قوّة وضعف، علمًا أن الأولى طاغية على الثانية، وإنْ كانت مُتعلّقة بمواقف غير مقنعة، أو بحوارات مباشرة وخطابية أفسدت المواقف، بدلاً من التعبير عنها سينمائيًا، وهذا أفضل وأعمق.

إلى ذلك، تُحسب للسورية غايا جيجي جرأتها في تنفيذ مشاهد عديدة من "قماشتي المفضّلة"، وهي مشاهد ليست مجانية وغير خارجة عن نطاق الفيلم، إذْ تصبّ في صميمه. والفيلم الروائي الطويل الأول لها يحاول التعبير عن شابّة، هي ضحية من ضحايا الثورة السورية، تعاني معاناة رهيبة: حسية وعاطفية وجنسية واجتماعية وأسرية. ترغب في عيش مرحلتها العمرية كأي فتاة، وفي أن تحبّ وتتزوج، وتخفّف العبء عن أسرتها، وتستقلّ بحياتها.

اضطرابات كثيرة تسود في الخارج: غليان الشوارع والرصاص والقتل المجاني في الطرقات. لكن البطلة غير مهتمّة البتّة بما يحدث خارج المنزل. اضطراب وغليان وتشوّش وفقدان البوصلة، هذا كلّه يسيطر عليها، ويعزلها عن الخارج، ويجعلها حزينة ومُدمّرة طوال الوقت، وفي مختلف المواقف. رغم الاجتهاد الأدائي، هناك مشكلات يصعب على التمثيل أو التصوير مُعالجتها: خلل البناء انعكس جليًا على رسم الشخصيات وتطوّرها، وتوضيح انفعالاتها النفسية، وعلاقاتها بعضها ببعض.

من ناحية أخرى، فإنّ الحضور المغربي في مهرجان "كانّ" متمثّل بـ"صوفيا" لمريم بنمبارك، الفائز بجائزة أفضل سيناريو في مسابقة "نظرة ما"، التي شارك فيها "قماشتي المفضّلة" أيضًا. ربما ما لفت نظر اللجنة فيه فمنحته تلك الجائزة، هو ذلك الانقلاب الذي يحدث في النهاية: تحوّل الضحية إلى مجرمة، خاصة أنّ الضحية شابّة، أنجبت رضيعها منذ وقت قليل.

انطلاقًا من مسألة الرضيع وإثبات البنوّة والبحث عن "والد" الجنين، تمضي بنمبارك في سرد أحداث فيلمها، فتثير تعاطفًا مع مأزق الشابّة أحيانًا، خصوصًا في مجتمع عربي يُدين أي حمل خارج نطاق الزواج والأسرة، ناهيك بالقانون الذي يُجرِّم فعلاً كهذا. من هنا، انطلقت بنمبارك لإدانة ما هو قانوني أساسًا عبر الاجتماعي. لكن، رغم إدانة القانون المغربي والوقوف إلى جانب البطلة حتى ما قبل النهاية، فإنّ ضعف السيناريو أفسد الفيلم، وأفسد التضامن مع الشابّة، وإزاء كونها ضحية أو لا، بعد اكتشاف لعبتها. كأن بنمبارك أرادت إنصاف قضية فنسفت مصداقيتها من دون أن تدري.

أما "ولدي"، الروائي الطويل الثاني للتونسي محمد بن عطيّة بعد "نحبّك هادي" (جائزة أفضل تمثيل لمحمد ظريف في "برليناله" 2016)، فشارك في برنامج "نصف شهر المخرجين"، وتناول قضية اجتماعية أكثر حساسية وصعوبة من الفيلم الأول. البطل شاب في مرحلة المراهقة، على أعتاب إنهاء دراسته الثانوية. ما يُعانيه يندرج، بالنسبة إلى عائلات كثيرة، في إطار ضغط الدراسة والتهرّب من الدرس والتحضير لامتحانات شهادة البكالوريا، أو لكونه يمرّ في مرحلة المراهقة ويواجه مشاكل النضوج.

لذا، ينصبّ اهتمام الوالدين على الجانب الصحي ـ الجسدي ـ النفسي. وهذه خطوة تحسب لهما ولتفتّحمها الذهني، هما القادمين من طبقة بورجوازية مستورة الحال. لكن الداء ينخر جزءًا آخر من حياة ولدهما: فرّ الشاب إلى سورية ليُجاهد فيها، فلقي حتفه هناك بعد زواجٍ أثمر طفلاً.
حاول بن عطية الإمساك بالخيوط كلّها وتكثيفها، لكن خطورة القضية ـ التي تُشغل المجتمع التونسي أكثر من غيره من المجتمعات العربية ـ لم تُمَسّ كفاية. فالتفاعل غائب، والمفقود كثير، إخراجيًا وكتابة، رغم الأداء التمثيلي الجيد.



"فينيسيا": سورية وفلسطين

المشاركة الأقوى للأفلام العربية في المهرجانات الدولية ظهرت في الدورة الـ75 (29 أغسطس/ آب ـ 8 سبتمبر/ أيلول 2018) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي". ففي مسابقة "آفاق"، ذات الأهمية التالية للمسابقة الرئيسية، عُرض "يوم أضعت ظلي" للسورية سؤدد كعدان ("جائزة أسد المستقبل ـ لويجي دي لورنتيس للفيلم الأول") و"تل أبيب ع نار" للفلسطيني سامح الزعبي (جائزة التمثيل لقيس ناشف).

حاولت كعدان القبض على روح الإنسان السوري الهاربة والمختفية، والتي لم يعد هناك من انعكاس لظلها. ولعجزها عن القبض على تلك الروح، وصعوبة المهمّة أيضًا، حاولت على الأقل الاقتراب منها أو ملامستها، فتمّ عرض الحالة الفريدة، التي يختفي فيها ظلّ الإنسان، وهذه بمثابة استعارة لفقدان البشر لأنفسهم وذواتهم وكراماتهم وأمنهم بسبب الحروب، وإن لم يُصابوا بأذى، وظلوا على قيد الحياة. للاقتراب من تلك الروح الضائعة، اختارت كعدان عمدًا أن تضع أحداث فيلمها في بداية الثورة السورية، وتحديدًا بين عامي 2011 و2012، قبل أن تتطوّر الأمور وتختلط وتتعقّد، وتمضي إلى ما آلت إليه لاحقًا. في محاولة الاقتراب تلك، لم يكن أمام كعدان غير صناعة فيلم ذاتي، يحكي هواجسها ومخاوفها ورؤيتها، ويعكس حالتها النفسية ومعاناتها الشخصية قبل خروجها من سورية.

من جهته، نجح سامح الزعبي في صناعة فيلم جيد للغاية، إلى درجة يمكن اعتباره معها من أهم أفلام الكوميديا الطريفة والساخرة وأبرزها، المُنجزة في الأعوام الماضية في السينما العربية، والتي لا تخلو من عمق ومرارة. فعبر توليفة ذكية تجمع الكوميديا الساخرة بقصّة حبّ مُلتهبة وبصراع بين نقيضين أو طرفين غير متكافئين، مع حبكة درامية تصنع إثارة وتشويقًا، بنى الزعبي فيلمه هذا. لا يمكن حسم مسألة أن التوليفة هذه، الموجودة في أفلام عربية وأجنبية كثيرة، هي سبب وحيد في تميّز الفيلم. فإلى جانب ما سبق، هناك تمثيل جيد، وسيناريو مكتوب بحرفية شديدة وذكاء ملحوظ، بالإضافة إلى جُمل حوارية كثيرة مترابطة ومتماسكة وسلسة، وقادرة على إثارة الضحك والسخرية، بفضل مواقف مختلفة أو مُتناقضة، وسوء تفاهم بين الشخصيات.

في "أسبوع النقاد"، عُرِضَت 3 أفلام عربية للمرة الأولى: الروائي الطويل "أكاشا" للسوداني حجوج كوكا، و "لسّه عم تسجل" الوثائقي الأول للسوريين غيّاث أيوب وسعيد البطل، و"دشرة" أول روائي طويل للتونسي عبد اللطيف بوشناق.

الأول مليء بأحداث يُفترض بها أن تبدو ساخنة وساخرة وجميلة، لكنه جاء على نحو بدائيّ للغاية، أقله في التنفيذ والإخراج والتمثيل: قصة حبّ تحدث زمن حرب آنية مُتخيّلة في السودان، ويعتبر بطل الفيلم الثوري من أبطالها، هو المُولع بحب فتاة تتحمّل غيابه طويلا. عندما تتأخر عودته إلى معسكر الجيش، يأمر القائد بالقبض على الجنود المُتغيّبين واعتقالهم. تجربة أولى تحمل سلبيات هي أكثر من إيجابياته.

أما الوثائقي السوري، فتدور أحداثه بين عامي 2011 و2015 في دمشق ودوما في الغوطة الشرقية تحديدًا. كعادة أفلام عديدة رصدت أحداث الربيع العربي، وقع المخرجان في فخّ الولع بالمادة الضخمة التي تمّ تصويرها، والرغبة في عرض وقول كل شيء. وهذا كلّه موضوع في قصّة غائبة وغير مقنعة، بل لمجرد تبرير "حشر" المادة الوثائقية المُصوَّرة فيها. ورغم ما فيه فنيًا من عيوب، فاز بـ"جائزة الجمهور".

أما "دشرة"، فهو ـ من دون مبالغة ـ من أقوى أفلام الرعب والإثارة المصنوعة مؤخّرًا في العالم العربي. مُغامرة لمُخرج في أول فيلم له، وفي نوع صعب ونادر وغير حاضر في السينما العربية. بصريًا وتنفيذيًا، يرتقي إلى مرتبة الإنتاج العالمي، لكن ما يعيبه افتقاره إلى الغموض الذي يُميز هذا النوع. رغم هذا، نجح بوشناق في تحقيق فيلم رعب وإثارة، إخراجًا ومونتاجًا. السيناريو أضعف الفيلم في غير موضع، خاصة في بدايته ونهايته، المحتاجة إلى مزيد من العمل والإحكام، كي لا يفقد العمل مكامن قوته وغموضه.

أخيرًا، وفي برنامج "أيام فينيسيا"، عُرض "مفك" للفلسطيني بسام جرباوي الذي غابت عنه مفردات مهمّة كثيرة، ما أضعفه، كالحاجة إلى الصمت، بدل كثرة الحوارات. يتناول الفيلم حياة الإنسان لا البطل، والإنسان بعد معاناته من صدمة تمضية 15 عامًا في سجن إسرائيلي بكل ما فيه من سمعة شائنة.

المُشكلة الأساسية تظهر في السينما العربية عامة، وتتعلّق بتناول شخصيات لديها مشاكل أو اضطرابات نفسية، تصيب الشخصية الرئيسية وتُفقدها توازنها وتسلبها إنسانيتها. الأصعب كامنٌ في رصد فيلمٍ ما تبعات السجن، والآثار النفسية والجسدية التي يتركها على الشخصية. يزداد الأمر تعقيدًا وتركيبًا، من دون شك، إن يكن السجن والسجّان إسرائيليين. الآثار بالغة التركيب والتعقيد، حاول "مفك" رصدها. هناك جهد للمخرج والممثل في تأدية الشخصية، ومحاولة إقناع المُشاهد بما تكابده، ومدى الاغتراب الذي تعانيه، والقطيعة التي تعيشها مع من حولها؛ لكن هذا كلّه لم يصل ولم يؤثِّر.