العراق.. يستقيل عبد المهدي ويستمر الصراع

02 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
بعد شهرين من القمع الذي أدى إلى قتل أكثر من أربعمائة متظاهر، وجرح أكثر من خمسة عشر ألفاً، أعلن رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، أنه سيستقيل. ولكن استقالته لم تأت بسبب قناعة ذاتية، أو صحوة ضمير تتعلق بالعنف الدموي الذي تصاعد في الأيام الأخيرة، بل لأن المرجعية الشيعية طالبت صراحة من مجلس النواب العراقي بأن يغير الحكومة. على الرغم من أن مطالب المتظاهرين تتمحور حول إحداث تغيير جذري في النظام الحاكم والأسس الطائفية التي يستند عليها، إلا أن الاستقالة أشاعت أجواء من الفرح والأمل في أن الثورة الشعبية حققت تقدّماً مهماً سيفتح الطريق إلى مستقبل أفضل. وسيعتمد هذا على نتائج صراع الإرادات بين التظاهرات الشعبية التي لم يوقفها القمع والنظام السياسي وداعموه.
كانت طريقة تعامل عبد المهدي مع الأزمة، منذ بدايتها، تتسم بالتخبط والبطء والانفصال عن الواقع، والتهرّب من مسؤولية القمع تارة، ثم التعهد بحفظ الأمن والنظام تارة أخرى. ولكنه صعّد خطابه قبل أيام من الاستقالة، حينما وصف ما يجري بالفتنة، وتعهّد بالتصدّي لها، وقسم المتظاهرين إلى سلميين وغير سلميين، وفق الطريقة التي باتت تقليدية عند النظم العربية. وجاء تصعيد عبدالمهدي خطابه مع تصعيدٍ آخر لكل القوى العراقية المتحالفة مع إيران وأذرعها الإعلامية التي باتت تتحدّث أيضا عن الفتنة والمندسّين وضرورة السيطرة على الموقف. جاء ذلك التصعيد بعد إحراق المتظاهرين، الناقمين على كل النظام السياسي وتحالفه مع إيران، القنصلية الإيرانية في النجف. تحدّث قادة بارزون في المليشيات الشيعية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني عن أن المرجعية الشيعية، ومقرّها النجف، باتت في خطر، وأعلنوا عن عزمهم الدفاع عنها، وعن منزل المرجع الشيعي الأكثر تأثيرا علي السيستاني. لم يثبت وجود 
أي خطر، ولم يثبت أبدا ما ردّده خصوم التظاهرات بأن التظاهرات انحرفت عن سلميتها، وهو اتهام بدأ ترديده حتى قبل أن تنطلق الموجة الأولى من التظاهرات في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول. ولكن ما ثبت هو استمرار القمع وتصاعده أخيرا في النجف وفي الناصرية، حيث سقط عشرات الضحايا. في النهاية، جاء نداء المرجعية الشيعية الداعي إلى تغيير الحكومة ليعكس، مرة أخرى، الاختلاف في التوجه بين مرجعية النجف وإيران (وحلفائها).
تمثل استقالة عبدالمهدي ضربة لإيران، ولاستراتيجيتها القائمة على أساس عدم التنازل أمام التظاهرات، لأن ذلك قد يقود إلى الانهيار. في المقابل، ترى مرجعية النجف أن عدم القيام بتغييرات سريعة وإصلاحات ملموسة سيؤدي إلى زوال الحكم الحالي، وانتقاله إلى آخرين، بحسب تعبير أحد المتحدثين باسمها، في تحذير واضح من احتمال سقوط النظام برمته. قام النظام العراقي الحالي، منذ تأسيسه بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، على توافق الأطراف الثلاثة الأكثر تأثيرا عليه، وصاحبة المصلحة في بقائه واستمراره، وهي الولايات المتحدة وإيران والمرجعية الشيعية. ما حصل في الأزمة الحالية أن الولايات المتحدة دعمت مبادرة الأمم المتحدة التي كانت إعلان مبادئ، لكنه تضمن مادة مهمة دعت إلى تحقيق تقدم في قضايا ثلاث خلال أسبوعين، وهي إصلاح النظام الانتخابي والشروع في الإعداد لانتخابات مبكرة، 
ومحاربة الفساد فعليا، وحل المليشيات. ونالت المبادرة أيضا دعما مهما من السيستاني الذي استقبل ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق في منزله في النجف.
ويمثل هذا الانقسام في المثلث المؤثر على الحكم في العراق الديناميكية الأساسية للوضع السياسي في العراق. أما الحراك الجماهيري واستمراره، على الرغم من القمع الوحشي، فيمثل طبعا قلب الحدث، لكنه يجري حتى الآن خارج النظام السياسي، بل هو يهزّه ويخلخل ثوابته، وينادي بإسقاطه، أو تغييره جذرياً.
لم تكن استقالة عبد المهدي سوى نقطة على طريق هذا الحراك والصراع. لم تكن أصلا مطلبا عند انطلاق التظاهرات، نظرا إلى إدراك المتظاهرين ضعف رئيس الوزراء الذي جاء تجسيدا لعجز النظام السياسي عن تنظيم انتخاباتٍ تفرز فائزا واضحا، يتحمل مسؤولية ومعارضة مسؤولة تراقب العمل الحكومي، وتسعى إلى تقديم أفكارها وسياساتها وتطويرهما من أجل أن تأتي مكانه في انتخاباتٍ نزيهة حرة. لم تغير الاستقالة هذا النظام السياسي، لا بل هي تشكل مناسبة للعودة إليه من أجل أن يجد بديلا لرئيس الوزراء، وهي عملية صعبة ومعقدة، كما يعلم الجميع، فمنصب رئيس الوزراء في العراق يأتي نتيجة التوافق الأميركي الإيراني، وعلى
 موافقة المرجعية الشيعية على المرشح، أو عدم معارضتها له. يجري ذلك طبعا مع إرضاء لأقطاب المحاصصة الطائفية الآخرين من الكرد والسنة على حصص زعمائهم وامتيازاتهم. ولكن الفارق الآن مهم، وهو أن هذه العملية ستجري مع استمرار التظاهرات الشعبية التي تحولت إلى ثورةٍ حقيقيةٍ، تهدف إلى هدم أسس المحاصصة والفساد، فقد ترافقت المشاهد الدموية لأحداث الناصرية وإصرار المتظاهرين فيها وفي النجف وبغداد والمدن الأخرى على الصمود وعدم التراجع، مع تضامن بدأ يبرز علنا، للمرة الأولى في المناطق ذات الغالبية السنية غربي العراق، مع الثورة التي تجري منذ شهرين في بغداد والمناطق الشيعية بالدرجة الأساس، لكنها ترفع شعارات وطنية جامعة، والأهم أن أهدافها أيضا مدنية تطمح إلى بناء دولة حقيقية تستند إلى المواطنة والعدل. إنه صراع إرادات مستمر.