العراق ورئيس الحكومة المنتظر

14 ابريل 2020
الصورة
لا يبدو أن استقالة عادل عبد المهدي من رئاسة الحكومة العراقية بعد شهرين من تظاهرات أكتوبر كانت جدّية بقدر ما كانت محاولة لكسب الوقت، فعلى الرغم من مرور نحو أربعة أشهر من تقديم عبد المهدي استقالته، إلا أن المكلفين برئاسة الحكومة فشلوا حتى اللحظة من كسب ثقة الكتل البرلمانية، وتشكيل حكومة جديدة. ولا يتعلق الأمر فقط بخلافات هذه الكتل ومصالحها، والتي لا ترغب بالتفريط بها، على الرغم من نبرة الاحتجاجات العالية التي طالبت باقتلاع كل أحزاب العملية السياسية، وإنما للأمر بعده الإقليمي والدولي، فمعروفٌ أن صراع النفوذ الإيراني - الأميركي في العراق ينعكس غالباً على الحكومات التي تشكلت منذ حكومة إبراهيم الجعفري عام 2006 وصولاً إلى حكومة المستقيل عادل عبد المهدي.
محافظ النجف السابق والنائب، عدنان الزرفي، ثاني المكلفين برئاسة الحكومة، اصطدم تكليفه بقوة بالرفض الإيراني، فقد شنت عليه صحف طهران هجوما واسعاً، رافقته حملة تخوين وعمالة شنها عليه الإعلام العراقي التابع لقوى وفصائل شيعية مسلحة، على الرغم من أن أعضاء كثيرين في تلك القوى السياسية كانوا حاضرين في مراسم تكليفه من الرئيس العراقي، برهم صالح. لم يرغب الرجل أن يحرق كل مراكبه السياسية، فقدم اعتذاره بعد أيام، ليظهر اسم مدير جهاز المخابرات العراقية منذ 2016، مصطفى الكاظمي بديلاً، وبرغبة كل الكتل السياسية الشيعية أولاً والسنية والكردية ثانياً، على الرغم من أن الكتل نفسها رفضته، عندما طرح اسمه أول مرة قبل ثلاثة أشهر.
الكاظمي هو ثالث المكلفين لخلافة عادل عبدالمهدي، قبله الزرفي ومحمد توفيق علاوي. قال إنه يتطلع إلى بناء عراق مستقر، بعيداً عن صراع إيران وأميركا، سبق أن اتهمته المليشيات المسلحة بمسؤوليته عن تمرير معلومات إلى الجانب الأميركي، أدت إلى اغتيال مسؤول فيلق 
القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق، أبو مهدي المهندس، مطلع العام الجاري، فكيف رضيت به الأطراف الشيعية، وكيف رضيت به إيران من ورائها؟ وهل فعلاً كان الزرفي على صلة بالمخابرات الأميركية، بحيث اعتبرت إيران وصوله إلى منصب رئاسة الحكومة سيكون بمثابة انقلاب أبيض على العملية السياسية؟ تبدو خيوط اللعبة السياسية في العراق معقدة أكثر مما يتوقع بعضهم، فلا يبدو أن أميركا عازمة على تغيير جذري للعملية السياسية في العراق، ولا يبدو أنها مستعدّة لهدم المعبد على سدنته، بقدر ما هي ترغب في الإبقاء على مصالحها، بعيدة عن يد إيران الطولى في العراق.
في المقابل، تدرك إيران أن هناك رغبة أميركية لتقاسم جديد للنفوذ، وأن واشنطن منزعجة من الاستفراد الإيراني بالعراق، وأن هذه الرغبة باتت واضحة، منذ لحظة مقتل سليماني، وما تبع ذلك من شد وجذب كبيرين بين الدولتين. ومقابل ذلك، بدت إيران أقل رغبةً في الاحتفاظ بالنفوذ الكامل في العراق، ليس خشيةً من الرغبة الأميركية المتصاعدة وحسب، وإنما أيضا بسبب ما تمر به من مشكلات داخلية، بدأتها العقوبات الأميركية، وأكمل عليها تفشي وباء كورونا داخل إيران، ناهيك طبعاً عن غياب سليماني الذي جعل من مهمة إيران في العراق أصعب بكثير. ومن هنا، كان القبول الإيراني الكاظمي لرئاسة الحكومة على أنه أخفّ 
الضررين، مع محاولة مناورة مفتوحة للإبقاء على عادل عبد المهدي إن أمكن، بمعنى أن العراقيل قد تبدأ بالبروز ثانية أمام الكاظمي، لمنع استكمال طاقمه، وإن كان الأمر هذه المرة سيبدو أصعب من سابقه، بعد أن قبلت الكتل السياسية الشيعية بالكاظمي.
الرئيس الجديد المكلف تشكيل الحكومة، وعلى الرغم من غياب أي دور سياسي له طوال السنوات الماضية، وهو الذي ترأس جهاز المخابرات العراقي في زمن حكومة حيدر العبادي، لا يبدو أنه سيكون قادراً على تحقيق ما تريده الجماهير العراقية، فهو، إن مرّت وزارته، سيكون أضعف رئيس حكومة عراقي منذ 2003، وربما لن تعمل حكومته سوى على ملف واحد، يريده منها الطرفان الضامنان للعملية السياسية في العراق، إيران وأميركا، وهو تحقيق التفاهم الذي يضمن النفوذ لكليهما. وهو يدرك جيداً أنه لن يكون حرّاً في اختياراته لأعضاء حكومته، ولا حرّاً بقراراته، وأنه سيكون مكبلاً بألف فيتو وفيتو، وبالتالي ستكبر مهمته العسيرة يوماً بعد آخر، وخصوصا أنه، باعتباره شخصية إعلامية سابقة، بدا غير واثق من نفسه، في كلمته التي ألقاها عقب التكليف، وبدا مرتبكاً أكثر من سلفيه، علاوي والزرفي.
سنعرف بعد أيام أين يضع الكاظمي قدمه، سواء بالمضي في تشكيل حكومة ترضي "كل الأذواق" أو أنه سيلحق بسلفيه، علاوي والزرفي، ليبقى عبد المهدي يدير حكومة العراق من غيابه الطوعي الذي ارتضاه لنفسه، والذي يبدو أن إيران أيضا ترتضيه له.. وللعراق.
تعليق: