العراق وحكومة الفرصة الأخيرة

12 مايو 2020
الصورة

الكاظمي يطلب من البرلمان العراقي منح حكومته الثقة (6/5/2020/الأناضول)

أخيراً، مرّ ثالث المرشحين لخلافة رئيس الحكومة المستقيل، عادل عبدالمهدي، بعد أن صوّت البرلمان العراقي، الأربعاء الماضي، على منح حكومة مصطفى الكاظمي الثقة، وإنْ غير كاملة، بعد أن رفض البرلمان خمسة من مرشحي الكاظمي، فيما بقيت وزارتا النفط والمالية بلا وزيرين، بسبب خلاف كردي شيعي استجدّ في اللحظة الأخيرة.
لم يشأ الكاظمي، الذي يبدو أنه خبر اللعبة جيدا، بحكم منصبه السابق رئيساً للمخابرات العراقية منذ 2016، أن يكرّر فشل سلفيه، محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، فاتّجه مباشرة إلى الكتل السياسية لترشيح وزرائها وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية الذي سارت عليه العملية السياسية منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهو ما سهّل عليه الأمر وجنّبه فشلاً مستحقاً.
جاءت الحكومة الجديدة في وسط أزماتٍ لا يعيشها العراق وحسب، وإنما حتى الدول المتورّطة في الملف العراقي. والإشارة هنا إلى إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، ليست حكومة الكاظمي بالضرورة حكومة العراقيين أو مطلبهم، بقدر ما باتت حاجةً لدول التدخل الإقليمي والدولي. وليس الحديث هنا عن الأزمات التي على الكاظمي حلها داخلياً أعقد بكثير مما قد نتخيّل، وإنما عن طبيعة الأزمات التي تواجهه خارجياً، وتحديداً في ملف التدخل في الشأن العراقي، والذي يبدو أن أطراف هذا التدخل باتت هي من تبحث عن حكومة الفرصة الأخيرة.
حلحلة الملفات المتعلقة بإيران وأميركا في العراق وحدها التي يمكن أن تكون كفيلة بإخراج العراق من قمقم الفشل، والسير به نحو انتخاباتٍ مبكّرة، أو هكذا يفترض أن تعمل عليه حكومة الكاظمي، فلا حل لملف الأزمة الاقتصادية في العراق قبل حل ملف التدخل الخارجي، ولا حل 
لملف مطالب المتظاهرين الضاغطة قبل حل ملف التدخلات الخارجية، وهكذا قس على بقية الملفات.
استقبل الكاظمي في مكتبه، في أول ظهور رسمي له عقب توليه رئاسة الحكومة، السفيرين، الأميركي والإيراني، كلاً على انفراد، في رسالة واضحة من واشنطن وطهران، على دعمهما له، وهو دعم لا يبدو أنه سيكون مشروطاً بقدر ما سيكون محاولةً لإيجاد حل لأزمتهما في العراق، ومساعي كل منهما إلى الإبقاء على نفوذهما بشكل أو بآخر. ويدرك الكاظمي أن المهمة ليست سهلة، وهو ما عبر عنه، في بيان رسمي، عقب لقاءيه بالسفيرين السبت الماضي، عندما قال إن العراق لن يكون منطلقاً للهجوم على أي دولةٍ أخرى، ولن يكون ممرّاً للهجوم، ولن يسمح باستخدام أراضي العراق لتنفيذ أجندات خارجية. كلمات خطت بقلم التهدئة وحبر اللغة التصالحية، تبحث عنهما كل من أميركا التي تعرّضت مواقعها وسفارتها في بغداد لهجمات مليشيات عراقية، وأيضا تبحث عنها إيران التي تلقت ضربة أميركية كبيرة بعد قتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، مطلع العام الجاري.
في خلفية المشهد أيضاً، وخارج العراق، وحتى تكتمل الصورة، سحبت الولايات المتحدة بطارية صواريخ باتريوت في السعودية التي كانت تحمي شركة أرامكو السعودية عقب تعرّضها لقصف من جماعة الحوثي العام الماضي، ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين قولهم إن واشنطن لم تعد ترى في طهران تهديداً لمصالحها. في الوقت
 نفسه، خرج المرشد الإيراني، علي خامنئي، بتغريدةٍ ذات مغزى، بأن الإمام الحسن قام بأعظم تضحية في تاريخ الإسلام، عندما تنازل عن الحكم لحقن دماء المسلمين وبقاء بيضة الإسلام، في إشارة إلى استعداد إيراني لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة.
غير بعيد عن ذلك حديث أحد مشاهير الدعاة في السعودية في برنامج تلفزيوني مباشر في شهر رمضان، بكل ود عن المذهب الشيعي، ولكن فيه غلاة كما لدى السنة غلاة، بينما كان الشيعة، إلى وقت قريب، خارجين عن الملّة، بحسب دعاة السعودية وإعلامها. وطبعاً، لا يمكن إغفال الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مع مصطفى الكاظمي، وعبّر فيه عن كامل دعمه الأخير، ودعاه إلى زيارة السعودية. وفي البال أن الكاظمي كان يرى، في مقال له قبل خمس سنوات، أن سبيل إصلاح المنطقة والنأي بها عن الصراعات يكمن في المصالحة مع السعودية.
ما الأسباب التي ربما تكون قد دعت كلاً من واشنطن وطهران إلى محاولة فتح صفحة جديدة؟.. يعيش الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جائحة كورونا وتأثيراتها الكارثية على الاقتصاد الأميركي، ما قد يحرمه من فرصة التجديد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فهو إما إن يفتح حرباً محدودة، أو يفتح صفحة تهدئة في منطقة الخليج العربي، ويريح بعضاً من جبهاته، خصوصا وأن مواجهةً من هذا النوع قد لا تحقّق كل ما يريد. علماً أن فرضية 
مواجهةٍ محدودة مع إيران ستبقى تحت الطلب، متى احتاج إليها ترامب. وقريبا من هنا، تبدو إيران في وضعٍ لا تحسد عليه، فهي لم تعد كما كانت قبل عام أو حتى ستة أشهر، فجائحة كورونا استهلكت موارد إيرانية كثيرة. وغياب الجنرال سليماني عمّق الهوة بينها وبين مصالحها في العراق، بعد أن فشلت في إيجاد البديل القادر على رعاية تلك المصالح بالطريقة التي كان يديرها سليماني.
ومن هنا، توحي الإشارات برغبة إيرانية أميركية في فتح صفحة جديدة عبر حكومة مصطفى الكاظمي التي ستكون أمام اختباراتٍ صعبة، لا يمكن لها أن تصمد في وجهها من دون دعم خارجي، يتمثل أولاً في تهدئة إيرانية أميركية مصحوبة بدعمين، سعودي وأوروبي.
بخلاف ذلك، ستسقط حكومة الكاظمي سريعاً، ما يفتح الباب واسعاً أمام تحدّياتٍ كبيرة، ليس أمام العراقيين وحسب، وإنما أمام الدولتين الراعيتين العملية السياسية في العراق، إيران وأميركا.
تعليق: