العراق وأميركا .. الحوار الصعب

09 يونيو 2020
الصورة
تجد حكومة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، والتي لم يمضِ على تشكيلها سوى أسابيع قليلة، ولم تكتمل إلا يوم السبت الماضي، بالتصويت على حقائب وزارية سبع بقيت شاغرة، تجد هذه الحكومة نفسها إزاء تحدٍ يختلف عن التحدّيات الاقتصادية والسياسية والصحية التي تواجهها، يتمثل في الحوار الاستراتيجي الأميركي العراقي المقرر أن يعقد منتصف شهر يونيو/ حزيران الحالي، حوار ستكون لمخرجاته تداعياتٌ ربما لن تقف عند جغرافيا العراق، بل قد تشمل الإقليم وما جاوره.
لا يبدو أن حكومة الكاظمي قادرة على أن تصل إلى موعد الاجتماع المقرّر بحزمة مواقف عراقية موحدة، إزاء ما تريده من الولايات المتحدة، فبعيداً عن التقاطعات الحادّة التي طبعت مواقف شركاء العملية السياسية في العراق (الشيعة والسنة والأكراد، بحسب التصنيف الذائع)، إزاء الوجود الأميركي، فإن تلك الحكومة ما زالت تسعى إلى مزاولة لعبة مسك العصا من المنتصف بين أميركا من جهة وحلفائها وأعدائها في العراق وخارجه من جهة أخرى، وذاك ربما من أكثر المواقف التي قد تؤدي الى إضعاف الطرف العراقي المفاوض، والذي لن يذهب برؤية موحدة، بل فشل في تكوين رأي عام حيال ما يريده العراق من هذا الحوار.
وللتعرّف أكثر على وعورة الطريق العراقي خلال الحوار الاستراتيجي المرتقب مع الولايات 
المتحدة، لا بد من استعراض مواقف شهدتها الأيام القليلة الماضية، فإيران، أحد أهم رعاة العملية السياسية في العراق بالإضافة الى الولايات المتحدة، أوفدت وزير الطاقة إلى بغداد مترئسا وفدا ضم أيضا إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس الإيراني في الحرس الثوري، ووقّعت مع بغداد اتفاقية طاقة جديدة تمتد سنتين، بعد أن كان هذا الاتفاق يجدّد سنوياً. كما حصلت إيران على 400 مليون دولار مستحقاتٍ لها على العراق، وهو نصف المبلغ المستحق لتصدير إيران الطاقة الكهربائية إلى العراق، وهو اتفاق يأتي بعد أيام من زيارة وزير المالية العراقي، علي عبد الأمير علاوي، السعودية وقيل إنها فتحت باباً للعراق للتعاون في مجال استيراد الطاقة من السعودية بديلا عن إيران.
كما أن حكومة الكاظمي اكتملت بتعيين سبعة وزراء، من بينهم الوزير الكردي الذي كان مثار الخلاف وتأجيل تسمية أغلب تلك الوزارات، فؤاد حسين الذي تولى حقيبة الخارجية، بمعنى أنه سيكون الممثل الكردي في الحوار الاستراتيجي العراقي الأميركي. تضاف إلى ذلك استقالة زعيم منظمة بدر ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، هادي العامري، من البرلمان، وسط تكهنات بأن استقالته تمهيد لوضعه في منصب حكومي، من أجل حضوره الحوار الأميركي العراقي، كونه الأقرب إلى إيران. بمعنى آخر، سيكون بمثابة ممثل إيران في هذا الحوار.
وبين هذا وذاك، لا يبدو أن لدى العرب السنة حتى اللحظة من يمكن أن يكون ممثلاً لمكوّنهم 
في هذا الحوار، وهو ما دفع نوابا سنة إلى الحديث، بصوت عالٍ، بشأن أهمية أن يكون لهم حضور في هذا الحوار، وأن يطلعوا على ما يتم التوصل إليه أولاً بأول.
سمّت الولايات المتحدة وفدها لهذا الحوار، إلا أن من غير الواضح حتى الساعة من سيمثل العراق، الأمر الذي يبدو أنه سيكون من بين عقباتٍ ستؤسس لسقوط مبكر لحكومة مصطفى الكاظمي، إن هي أخفقت في أن تخرج من هذا الحوار بما يرضي الأطراف الداعمة لتشكيل الحكومة، وتحديداً المحور المقرّب من إيران، والذي يتوجس خيفة من أن يتم الاتفاق على دمج المليشيات المسلحة داخل منظومة القوات الأمنية والمسلحة، كشرط أميركي لأي دعم للحكومة الحالية أو المقبلة، فالولايات المتحدة ستضغط على حكومة الكاظمي في أن يكون أكثر صرامة في تعامله مع التغلغل الإيراني في العراق، بتحجيم المليشيات المسلحة والاستقلال بالقرار العراقي أكثر تجاه النفوذ الإيراني، شرطا لدعمه عسكرياً واقتصادياً ودولياً. أما إن اختار الكاظمي وفريقه المفاوض الإصرار على سحب القوات الأميركية من العراق بشكل كامل، كما دعت فصائل مسلحة 
وسياسية في العراق، وكما ترغب إيران، فإن الولايات المتحدة ستنهي الاستثناء الممنوح للعراق لاستيراد الطاقة من إيران، وستشن حرباً اقتصادية لا يبدو أن العراق قادرٌ على تحمل تبعاتها، ناهيك طبعاً بأن هذا الموقف، رفض الوجود الأميركي، مرفوض ليس فقط من القوى الكردية والسنية، وإنما أيضاً من قوى شيعية بدأت تتململ من تدخل إيران في الشأن العراقي، وتفرّدها بالقرار، ومحاولتها المتواصلة في إبعاد العراق عن محيطه. ولا يملك الكاظمي عصا سحرية للخروج من مأزق الحوار المقبل، فالرجل جاء نتيجة توافقات بين القوى الشيعية التي رأته خياراً أفضل من خيار سلفه عدنان الزرفي الذي كان رافضاً فكرة حكومةٍ ترشحها الأحزاب، بينما قبل الكاظمي بما أملته عليه تلك الأحزاب من أسماء مرشّحة لإدارة الوزارات وفقاً لقاعدة التحاصص السائدة.
تريد أميركا أن تدعم نفوذها في العراق، وفي المقابل تريد إيران أن تحمي ما تحقق لها من نفوذ ومصالح، وما بينهما، تبقى الإرادة العراقية الغائب الأكبر عن حوارٍ يفترض أنه سيرسم مستقبل المنطقة، وليس العراق وحده، خلال السنوات المقبلة.