عقدة مكافحة الفساد في العراق: استهداف مسؤولين بلا سند دون النافذين

05 يوليو 2019
الصورة
سقف محدود أمام مكافحة الفساد (حيدر حمداني/فرانس برس)
+ الخط -
رغم الإعلانات شبه اليومية من قبل الحكومة العراقية، أو هيئة النزاهة ومجلس مكافحة الفساد ومكاتب المفتشين المنتشرة في عموم البلاد، حول اكتشاف عمليات فساد أو إحالة مسؤولين متورطين بالفساد إلى القضاء، منذ ما يزيد عن عامين، إلا أن المواطن لم يلمس أي تغيير على مستوى الخدمات والمشاريع، أو في نسبة الفقر والبطالة التي حققت مستويات قياسية لم تصلها بلاد الرافدين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى، وهو ما يدفع بطبيعة الحال المواطنين إلى عدم التفاعل مع إعلانات رسمية تتحدث عن إحباط عمليات فساد بمليارات الدنانير (الدولار يساوي 1.193.21 دينار عراقي).

وخلال الثماني والأربعين ساعة الماضية أعلنت هيئة النزاهة ووزارة الداخلية في بيانات مختلفة إحباط عمليات سرقة وهدر بالمال العام واعتقال مسؤولين والحكم على آخرين، ووصل مجموع المبالغ المعلن عنها إلى أكثر من 5 مليارات دينار (4.19 ملايين دولار أميركي)، في كركوك وحدها مبلغ قدره 2 مليار و400 مليون دينار (2.01 مليون دولار أميركي)، عن مشروع بناء مستشفى وآخرها مليون دولار أميركي في وزارة التجارة أدين بقضيتها مسؤول في الوزارة وحكم غيابياً بالسجن سبع سنوات.

وأوضح مسؤول عراقي في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد"، أنّ "جهود مكافحة الفساد حقيقية لكنها ضمن سقف محدود أو بنطاق محدد لها مسبقاً"، وفقا لتعبيره.


وأشار إلى أن "جهود مكافحة الفساد الحالية حققت تقدماً لكن في الملفات التي يتورط فيها موظفون دون درجة مدير عام أو مسؤولون لا سند حزبيا لهم، أو أنه افتضح أمرهم وباتوا خارج العراق فيتم الإعلان عن القضية والإدانة غيابياً".

ولفت المسؤول ذاته إلى أنّ "أكثر من 40 قضية فساد في العراق يبلغ مجموعها الإجمالي قرابة 100 مليار دولار غير مسموح فتحها، مثل صفقة السلاح الروسي والسلاح الأوكراني وصفقة المدارس الجاهزة، ومشاريع محطات الكهرباء الغازية، ومناقصات تجهيز الرز والدقيق لوزارة التجارة، وأجهزة كشف المتفجرات، ومزاد بيع الدولار التابع للبنك المركزي، وقروض التمويل الزراعي، والتمويل الصناعي، وتهريب النفط، وعقود الأعمار، وتراخيص الاستثمار، مرتبات الجيش ومرتبات مجالس الإسناد".

وأوضح أن سبب "عدم فتح هذه الملفات وملفات أخرى كونها تتعلق بشخصيات سياسية مثل نوري المالكي ومقربين منه ووزراء وزعامات سياسية مختلفة في البلاد".

وأكد في هذا السياق أنّه "حتى الآن لا يوجد قرار سياسي بفتح ملفات الفساد الكبيرة ولا الملفات الأخرى الأمنية، كسقوط الموصل ومجزرة سبايكر أو تفجير الكرادة، والتي تسببت بكوارث إنسانية في العراق"، مبيناً أن "ما يجري الآن هو تحرك ضد الفساد ضمن نطاق لا يسبب أزمة في البلاد".

وأمس، الخميس، كشف رئيس ديوان الرقابة المالية صلاح نوري أن هيئته أحالت مئات القضايا إلى القضاء خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى أنها أحالت 2607 قضايا تطاول كبار المسؤولين مع ذكر حجم المبالغ في كل قضية.

وأشار نوري، في حديث لصحيفة "الصباح" شبه الرسمية، إلى أن الهيئة طلبت من القضاء الإعلان عن التفاصيل من أجل إطلاع الجمهور عليها.

ولفت أيضاً إلى إنجاز ملفات تطاول أربعة إلى خمسة من أعضاء البرلمان، وعدّها قضايا ثقيلة جداً، داعياً "مجلس القضاء الأعلى إلى رفع الحصانة عنهم ليتم حسم ملفاتهم وينالوا جزاءهم العادل".

وبين أنّ "عدد القضايا الموجودة في هيئة النزاهة من أجل إنجازها تتجاوز الأربعة الاف قضية تتعلق بكبار المسؤولين"، مؤكداً "مفاتحة المؤسسات المعنية من أجل ضمان سرعة الإنجاز".

من جهته، أكد عضو التيار المدني العراقي، علي الطلب، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "مؤشرات الفقر ما زالت مرتفعة وتجاوزت في بغداد عتبة الـ23 بالمائة، والفساد في تنفيذ المشاريع ما زال على أعلاه، لذا فإن المواطن بات يعتبر مثل تلك الإعلانات غير صحيحة وبعضهم يتهكم بأنها تشبه إعلانات نمو الشعر للرجال"، وفقاً لقوله.


وأضاف الطلب أنّ "الفقرة الأكثر حيرة هي أن القضايا لا تترتب عليها استعادة أموال وأن غالبية المدانين يكونون خارج العراق ويحاكمون غيابياً".

بدوره، رأى الخبير بالشأن العراقي أحمد الفراجي أن "العراق غير مهيأ حالياً لفتح ملفات ضخمة، لا سيما تلك التي تتورط فيها شخصيات سياسية، كون البلاد غير مستقرة وقد تتسبب بأزمات كبيرة، كما أن القضاء أضعف من أن يواجه مافيات الأحزاب وفصائلها المسلحة".

واعتبر الفراجي أن "افتقار العراق لآليات قضائية واضحة وشفافية في التعامل مع الفساد، وبوجود انتقائية كهذه في الملفات، فمن حق المواطن ألا يعول على الإعلانات الحالية، وخاصة أنه يجد أن المؤشرات السلبية ترتفع ولا تنخفض في كل جوانب الحياة بالعراق".