العراق .. ماذا بعد زيارة ظريف؟

22 يوليو 2020
الصورة

لنعترف، أولا، بأن الوزير الإيراني، محمد جواد ظريف، دبلوماسي يمتلك من الحنكة والدهاء الكثير، وقد اعتاد وضع يديه في قفازاتٍ ناعمةٍ تغري من يتعامل معه، وأتاحت له ميزته هذه الحصول على النجاح الذي يريده في معظم الأحوال، وبخاصة في مواقف التفاوض والحوار، سواء مع الأصدقاء أم مع الخصوم، ومنحه ذلك كله حظوة لدى مرشد الجمهورية، علي خامنئي، الذي سانده في رد هجمات منافسيه من داخل النظام الذين دأبوا على نقده وانتقاده، وسعوا إلى إزاحته عن منصبه، لكن المرشد خامنئي ظل مصرّا على التمسّك به، وهذا ما جعله يشعر بالفخر في نظر مقرّبين منه وصفوه بأنه طارق عزيز إيران، في إشارة إلى الشبه بينه وبين وزير خارجية العراق الراحل.

ظريف هذه المرّة لم يحالفه التوفيق، في زيارته قبل أيام بغداد، وقد عاد منها بخفي حنين، إذ لم يرُق ما طرحه في أثنائها لرئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، وبدا مختلفا إلى حد ما عما يراه المسؤول العراقي، ومكمن الخلاف أو الاختلاف الطلب من بغداد العمل على إخراج الأميركيين، ورد الكاظمي بأن للعراق رؤيته الخاصة في هذا الموضوع، والتي سيطرحها في حواره المرتقب مع واشنطن، وأنه رفض التدخل في شؤونه الداخلية. بعبارة أكثر وضوحا، أراد الكاظمي أن تعرف طهران أن هيمنتها على القرار العراقي قد تقلصت، وأن بغداد تريد "وجودا أميركيا" بالشكل الذي تتفق عليه مع واشنطن، معتبرة هذا "الوجود" تجسيدا لحالة توازن تطمح لتحقيقها في العلاقة مع طرفي الصراع، واشنطن وطهران. 

اعتبر العراقيون زيارة ظريف، في هذا الظرف، تعبيرا عن إصرار إيران على استمرار هيمنتها

الأمر الآخر الذي أثار امتعاض ظريف ما أشار إليه الكاظمي في لقائه معه أنه يسعى إلى إيجاد شراكات اقتصادية متعددة، وانفتاح على كل الأطراف، من أجل تنويع الفرص الاستثمارية في بلاده. وهذا يعكس ردا دبلوماسيا على مطلب طهران أن تستأثر هي بالحصة الأكبر في العلاقة الاقتصادية مع بغداد، على حساب الدول الأخرى. وهنا يمكن التفكير بأن الانفتاح العراقي على دول العالم، وبخاصة الدول العربية الذي يخطط له الكاظمي، قد يسلب من طهران مكاسب كثيرة، منها ما يرتبط بقطاعي النفط والكهرباء. وبحساب الأرباح والخسائر، فإن السياسة الاقتصادية الجديدة التي يريد الكاظمي انتهاجها سوف تعود بالخسارة على طهران التي يهمها الحصول على الدولار، عبر البوابة العراقية التي ضمنت لها على مدى السنوات الأخيرة أن تتنفس، وأن تتحرّر بقدر ما من القيود التي فرضها الحصار الأميركي عليها، وهي لن تستطيع أن تعيش بمعزل عن الدعم العراقي أبدا. وإذا ما نجح العراق في التخلص من هيمنة حكومة "الولي الفقيه" على قراره، وقد لا يتحقق هذا بجرّة قلم، فإن المشروع الإيراني في المنطقة سوف يصاب بمقتل. ولذلك سوف تضغط إيران بكل الوسائل، من أجل عدم حصوله.

أخذ ظريف في زيارته علما أيضا بموقف الشارع العراقي الذي كانت تقوده في السنوات السالفة المليشيات والأحزاب الموالية لطهران، لكن الأمر، بعد انطلاق الثورة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتجذرها، لم يعد كما كان، حيث اعتبر العراقيون زيارة ظريف، في هذا الظرف بالذات، تعبيرا عن إصرار إيران على استمرار هيمنتها، وتخريب أي مسعى عراقي للخروج عن هذه الهيمنة، وإنْ بقدر محدود. وظهر ذلك جليا أمام الوزير الزائر في التظاهرات الرافضة للزيارة التي استقبلته عند أبواب وزارة الخارجية، بهتاف "ظريف .. لست مرحبا بك في العراق"، وهو أمر زاد من امتعاض ظريف وحنقه. 

الانفتاح العراقي على دول العالم، وبخاصة الدول العربية، والذي يخطط له الكاظمي، قد يسلب من طهران مكاسب كثيرة

الواقعة التي لفتت الانتباه في أثناء الزيارة إطلاق المليشيات "الولائية" صواريخها على المنطقة الخضراء، بعد خروج ظريف منها مباشرة، وكأنها أرادت أن تسمع حكومة الكاظمي أنها قادرة على حسم الموقف لصالحها، وأنها لا تزال تمتلك كثيرا من أوراق اللعبة، وتردّد أن ظريف لم يكن راضيا عن هذا التصرّف، وقد وجه في أثناء لقائه مع هادي العامري، أحد "وكلاء" إيران الأساسيين، بضرورة ضبط النفس، والتريث في تصعيد المواجهة إلى ما بعد زيارة الكاظمي المقرّرة لطهران، والتي قد تحمل مفاجآت كثيرة.

على أية حال، ما يجري ويدور في بغداد وطهران، وحتى في واشنطن، قد يمثل المخاض لحقبة جديدة، ربما تضع المنطقة كلها على بوابة مسارٍ مختلفٍ عما هي عليه اليوم.