العراق: سجال "التوازن المكوناتي" يتجدد على وقع تغييرات الكاظمي الأمنية

07 يوليو 2020
الصورة
عين الكاظمي الأعرجي مستشاراً للأمن الوطني (علي مكرم غريب/الأناضول)

 

أعادت القرارات الأخيرة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بتسمية قيادات أمنية وتغيير أخرى، سجال ما بات يعرف عراقياً بـ"التوازن المكوناتي" داخل المؤسسات الحكومية، خصوصاً الأمنية والعسكرية منها، إذ تطالب قوى سياسية عدة بمراعاة انتماء من يتم تسميتهم لهذه المناصب وفقاً للنسب السكانية، وهو ما قد يعتبر أحد أوجه المحاصصة الطائفية في العراق. غير أن المدافعين عن ذلك يؤكدون أن الحكومات السابقة حصرت المناصب الحساسة بشخصيات محسوبة على القوى السياسية الشيعية دون غيرها، رغم وجود كفاءات وأشخاص مهنيين في المكونات الأخرى العربية السنية والمسيحية، وكذلك الكردية والتركمانية ومكونات أخرى.
وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، أصدر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عدة قرارات، تضمنت إقالة وتنصيب مسؤولين أمنيين، بعضها تم الإعلان عنه لأهميته، مثل الإطاحة بأحد أبرز المرتبطين بإيران والنظام السوري، فالح الفياض من منصبيه كمستشار الأمن الوطني ورئيس لجهاز الأمن الوطني، وعين بدلاً عنه وزير الداخلية السابق قاسم الأعرجي مستشاراً للأمن الوطني. كما تم تكليف عبد الغني الأسدي برئاسة جهاز الأمن الوطني، أحد أهم ثلاث تشكيلات أمنية في العراق إلى جانب جهازي المخابرات ومكافحة الإرهاب. كما تم إجراء تغييرات أخرى في جهازي المخابرات والقوات المسؤولة عن حماية المنطقة الخضراء، وداخل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، طاولت موظفين ومديرين عامين ومستشارين ومسؤولين في مفاصل إدارية مختلفة، بالإضافة إلى قيادات عسكرية في وزارة الدفاع. كما أجريت أيضاً تغييرات في شبكة الإعلام العراقية، التي تمسك بالمحطات التلفزيونية والصحف الصادرة عن الحكومة.

الدهلكي: هناك إصرار على عدم مشاركة المكونات الأخرى في إدارة الدولة

 

القرارات التي جاءت بطريقة مغايرة لما توقعته مكونات عراقية، والتي كانت تعتقد أن الكاظمي سيضمن لها تمثيلاً عادلاً بالمناصب وفقاً لاستحقاقها ضمن مبدأ الشراكة، دفعتها إلى إصدار بيانات وتصريحات خلال الساعات الماضية، تُسجل فيها اعتراضها على ما وصفته بعدم مراعاة "التوازن المكوناتي"، وأبرزها مواقف صدرت عن قوى سياسية سنية وكردية.


ويعلق عضو تحالف "القوى العراقية" رعد الدهلكي، على إثارة هذا الملف مرة أخرى رغم أن الكتل المعترضة تعتبر مؤيدة لإجراءات الكاظمي، بأنهم يرون أن "إدارة الملف الأمني أصبحت حكراً على مكون معين دون غيره من المكونات الأخرى". ويضيف الدهلكي، لـ"العربي الجديد"، أنهم يرون في هذا الإجراء "دليلا على عودة التهميش في وقت أكثر ما يحتاجه العراق هو مشاركة الجميع، لكي يتغلب على أزماته"، مشيراً إلى أن "التجارب التي خاضها رؤساء الحكومات السابقة بالتهميش والإقصاء للمكونات الأخرى هي السبب فيما آلت إليه الأمور حالياً من أزمات وملفات معقدة وشائكة في البلاد". ويعتبر أن "التغييرات أحبطتنا كثيراً، في وقت يجب أن تؤدي الحلول والإجراءات التي يُقدم عليها الكاظمي إلى تجاوز أخطاء المرحلة السابقة". ويتابع "هناك إصرار على عدم مشاركة المكونات الأخرى في إدارة الدولة، وهذا ما  لم نكن نتمناه".

طالب "التحالف الكردستاني" الكاظمي بأن يراجع قراره لأنه لن يحقق الوحدة الوطنية

 

ويتحدث عضو "التحالف الكردستاني" عرفات كرم عما وصفه بتهميش صارخ للمكونات، مبيناً أن "على الكاظمي أن يدرك أن ما قام به من تغييرات لم يراع التوازن المكوناتي والمجتمعي، وأن خطوته هي تهميش صارخ للمكونات الأخرى، التي يجب أن تشترك بمؤسسات الدولة، خصوصاً الأمنية". ويقول، لـ"العربي الجديد": "نحن نسجل اعتراضنا على هذا الموقف، وينبغي على الكاظمي أن يراجع قراره، لأنه لن يحقق الوحدة الوطنية"، مضيفاً "نريد مشاركة وطنية في إدارة المؤسسات العراقية"، موضحاً أن "العراق بلد مكونات، ولا يمكن أن توزع المناصب على مكون واحد فقط"، داعياً الكاظمي الى "مراجعة قراراته".
"العربي الجديد" تواصلت مع مكتب الكاظمي للتعليق على الموضوع، إلا أن استقالة المتحدث باسم مكتب رئيس الحكومة ياسين البكري، بعد يومين من تسميته لأسباب مجهولة، حالت دون الحصول على تعليق. لكن مسؤولاً بارزاً في المكتب يعتبر أن "تلك الكتل لا تهتم للمكون بل لحصة المكون"، في إشارة الى أنها تريد محاصصة من خلال مزاعم حقوق المكون، لافتاً إلى أن "التركة ثقيلة، وهناك فوضى كبيرة جداً داخل كل مؤسسات الدولة، ويجب على الجميع منح الحكومة وقتاً كافياً، خصوصاً أن الكاظمي لا ينتمي إلى حزب أو كتلة، حتى تفسر كل خطوة يقوم بها بشكل سلبي".
لكن نائباً في تحالف "النصر"، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، يكشف لـ"العربي الجديد"، أن "الكاظمي يريد تفتيت منظومة خطيرة للغاية تابعة للفصائل الولائية زرعت نفسها داخل الدولة خلال العامين الماضيين، وتهدد البلاد بفشل مزمن وتبعية ونقص سيادة طويل الأمد". ويضيف، طالباً عدم ذكر اسمه تعليقاً على تسمية شخصيات من المكون الشيعي للمناصب الأمنية، أن "الكاظمي يجري تغييراً ذكياً من دون أن يترك أي حجة أو ذريعة للآخرين من المعسكر المقرب من إيران".
لكن التغييرات التي أقدم عليها الكاظمي، تخالف نص الدستور العراقي، الذي يضمن "احترام المكونات"، وفقاً لما يراه عضو تحالف "عراقيون"، بزعامة عمار الحكيم، النائب علي البديري، الذي دعا الكاظمي إلى "الالتزام بالدستور". ويقول البديري، لـ"العربي الجديد": "يجب أن يكون الاختيار وفق مبدأ الكفاءة أولاً، والكفاءة موجودة لدى جميع المكونات. لذا يجب على الكاظمي أن يبني اختياره وفق الكفاءة ومراعاة التوازن المكوناتي أيضاً"، مشدداً على "ضرورة ألا يترك الاختيار للمكون، حتى لا تُفرض شخصيات غير كفوءة لإدارة المناصب". ويعرب عن أمله بأن "يأخذ الكاظمي بعين الاعتبار موضوع المكونات في المناصب الثانوية التي سيقدم لاحقاً على اختيار شخصيات لإدارتها".