العراق .. تفكيك المليشيات أولاً

05 اغسطس 2020
الصورة

في خبطة حظ عابرة، صعد الصحافي ورجل الاستخبارات، مصطفى الكاظمي، إلى الموقع التنفيذي الأول في العراق. برز مرشح تسوية، عندما ارتفع صوت الشارع بسقوط السلف عادل عبد المهدي، ولم يكن أقطاب "العملية السياسية" في حينه قد توافقوا على بديل "كامل الأوصاف" وفق حساباتهم. ومع أن ترشيحه لم يُرض الجميع، إلا أنهم منحوه أصواتهم، فللضرورة أحكامها، وقد اعتبر "بدلا عن ضائع". وهكذا جلس على كرسي رئاسة الحكومة، وهو يكتم في نفسه مزيجا من الحذر والشعور بالقلق، لأن خصومه كثيرون، ولأنه يعرف أن بعضا منهم أعطوه الثقة على مضض، وأنهم سوف يكونون حاضرين في أقرب منعطف، يراقبون ما يجري، وقد أحكموا عدّتهم كي يجهزوا عليه، خصوصا بعد أن اكتشفوا أنه يغازل ثوار تشرين، ويتودّد إليهم، ويعد بالاقتصاص من قتلة من استشهد منهم.

ولأنه لا ينفكّ عن وضع نفسه على مقربةٍ من واشنطن، ويجهر بخصومته مع "الولائيين" ذوي الحظوة لدى طهران، فقد عدّه بعضهم "عميلا أميركيا"، واتهموه بالتواطؤ مع الأميركيين في عملية قتل رجل إيران في العراق، قاسم سليماني. وفي آخر منشور لهم، هدّدوا بالانتقام منه شخصيا. أما من أحسنوا الظن به، فقد حسبوا أن قدرا من الشجاعة، وقدرا من الإرادة، يمكن أن يدفعا به إلى التصدّي لمعالجة المشكلات التي يعاني منها العراقيون "الغلابة"، بحسب لهجة أشقائنا المصريين.

استفحلت المليشيات 17 عاما، فأوغلت في بطون الحالة العراقية الماثلة، وعلى أطرافها أيضا، إلى درجة أنها حصلت على تشريعاتٍ تضمن لها الحماية

حاول الكاظمي، منذ اليوم الأول لاستيزاره، أن يظهر اهتماما بالعمل على تنفيذ الأجندة التي جاء بها، أو جاءت به، وأن يرفع شعار "استعادة هيبة الدولة"، لكنه أخذ يقدّم رِجلا ويؤخر أخرى. وفي أحايين كثيرة، كان يؤخّر الرجلين معا، ولوحظ في أكثر من موضع أنه غير قادر على الحسم، وقد أجل مراجعة أكثر من قضية، على الرغم من إقراره أن حسمها ضروري، وعاد عليه هذا التلكؤ بازدياد نقمة خصومه عليه، وبخفوت لهجة الرضا عنه، لدى من توسم فيه الخير.

واحدةٌ من المسائل التي توقف عندها الكاظمي رغبته في الربط بين تحديد موعد الانتخابات البرلمانية وتهيئة الأجواء لضمان نزاهتها وإعداد التشريعات اللازمة. ولذلك حدد، وعلى نحو مفاجئ، منتصف العام المقبل موعدا لإجرائها، من دون أن يستشير كتلا أرادت "سلق" العملية الانتخابية في وقت أقرب، خشية انكشاف فضائح وممارساتٍ عديدة قد تنعكس على حظوظها في الفوز، فيما هي ساعيةٌ إلى إنضاج ظروف تعيد إنتاج "العملية السياسية" الماثلة بأحزابها ومليشياتها وشخوصها، وإكسابها نوعا من الشرعية. 

بات دور المليشيات في الحياة السياسية والاجتماعية خطرا ليس على نزاهة العملية الانتخابية المقبلة ومآلاتها فحسب، وإنما على الدولة وعلى سلطتها وهيبتها 

وفي هذا المناخ السياسي المفعم بالمفارقات، تبرز إشكالية خطيرة على الكاظمي أن يتصدّى لمواجهتها، تتعلق بتضخم دور المليشيات في الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، على نحو بات يشكل خطرا ليس على نزاهة العملية الانتخابية المقبلة ومآلاتها فحسب، وإنما على الدولة وعلى سلطتها وهيبتها كلها، فقد استفحلت هذه المليشيات على مدى 17 عاما، فأوغلت في بطون الحالة العراقية الماثلة، وعلى أطرافها أيضا، إلى درجة أنها حصلت على تشريعاتٍ تضمن لها الحماية، وتجعل منها قوةً موازية للجيش النظامي، وهي نتاج لمخطط رسمه قاسم سليماني، ليضمن من خلالها لإيران السيطرة والهيمنة المباشرة. وتوفرت لها صلاحياتٌ لممارسة سلطة مفتوحة ومن غير رقيب، فهي تخطف وتعتقل وتحكم وتقتل، وتنشئ سجونا ومكاتب ومواقع وصحفا وقنوات تتحدث باسمها، وتروّج أهدافها؟ وتوافقت سلوكياتها هذه مع مصالح مافيات الجريمة المنظمة في السيطرة على الحركة الاقتصادية للبلاد، مستغلة المنافذ الحدودية والمطارات، بما يسهل عمليات تهريب المخدرات والنفط والسلاح والآثار، وتجارة البشر، وتجارة الدولار. وأخطر من ذلك كله ارتباطها بقوة خارجية (إيران)، وسعيها إلى تمكين تلك القوة من التوغل والامتداد إلى الداخل، من دون أن يستطيع أحد، مواطنا أو مسؤولا، أن يرفع يده اعتراضا على ما تفعله. وإذا ما رفع أحد صوته وتصدّى لفضحها، أقدمت على اختطافه وتغييبه أو اغتياله، وهذا ما حدث مع عشرات الناشطين من سياسيين وإعلاميين وأكاديميين.

هنا تصبح عملية تفكيك هذه المليشيات، وتجفيف المنابع التي تتمول منها، والتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها على مدى السنوات الماضية هي المهمة الكبرى التي ينبغي على الكاظمي التصدّي لها، قبل إجراء أية عملية انتخابية كي تتحقق سلامة الترشيح والتصويت وفرز الأصوات، وكي يضمن مشاركة المواطنين العراقيين في تقرير مصائرهم، وإلا فان شيئا لن يتغير، وسوف نبقى في حالنا "كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا"!