العراق.. الكمأة تنقذ أهل الأنبار من مصير "مضايا"

17 فبراير 2016
الصورة
الكمأة أنقذت أهل الأنبار من الجوع (فرانس برس)
+ الخط -
يصف رئيس حكومة الأنبار المحلية صباح الكرحوت، وفرة عطاء الصحراء هذا العام من نبات الكمأة، بأنه "رحمة من الله" بسكان محافظته الذين يعانون مآسي إنسانية، بدأت منذ دخول داعش إلى المنطقة، وهو ما دعا الجيش العراقي إلى فرض الحصار على مناطق وجود وسيطرة داعش.

يحمل الكرحوت مسؤولية ما يحدث من مآس إنسانية إلى "داعش أولا وأخيرا"، على حد قوله لـ"العربي الجديد"، قبل أن يكشف أن أبناء الأنبار التي تشكل ثلث مساحة العراق ويقطنها مليون و600 ألف نسمة، يستخدمون النخيل والأشجار في القرى والمدن للوقود والتدفئة ويعتمدون على عطاء الطبيعة في تناول طعامهم، فيما يدبر الإرهابيون أمورهم اليومية ولا متضرر سوى المواطنين، على حد قوله.

اقرأ أيضا: بالصور مجاعة في الفلوجة..الأهالي يصنعون الخبز من "علف الطيور"

أهل الأنبار: الصحراء أنقذتنا من التجويع

يعتبر سكان غرب العراق في محافظة الأنبار، أن الصحراء التي عرفت بقساوتها، باتت تمثل مصدر الرزق والطعام الوحيد منذ نحو شهر، ما مكّن بلدات عدة من المحافظة في تجاوز الحصار المفروض عليها والمجاعة التي فتكت بسكان الأنبار منذ أشهر، كما يقول فيصل الهيتي ورفاقه ممن يذهبون إلى صحراء الأنبار لجمع الكمأة والتي تعرف محلياً بـ(الجمة).

يقول الهيتي لـ"العربي الجديد"، الكمأة أو الفقع فضلا عن الحيوانات البرية والطيور المهاجرة عبر الصحراء، القادمة من شرق البلاد باتجاه بلاد الشام والسعودية، أصبحت أحد مصادر الغذاء بعد انقطاع المحافظة عن العالم الخارجي المحيط بها، بسبب العمليات العسكرية من جهة والحصار الذي تفرضه قوات الجيش الحكومي والمليشيات عليها.

ويتابع "تنبت الكمأة بعد هطول الأمطار التي يصاحبها برق ورعد، وبعد عدة مواسم من جمع الكمأة صار لدينا خبرة في طريقة جنيها وتحديد مناطق وجودها، وهذا ما يجعلنا نجمع كمية كبيرة تصل أحيانا إلى خمسين كيلوغراماً أو أكثر ثم نقوم بعدها بتقسيم الكمية بيننا ونبيع الفائض منه إلى تجار أو أشخاص يشترونه مباشرة قبل وصوله إلى البقال أو التاجر، إلا أننا في الآونة الأخيرة وفي ظل أزمة الحصار التي تعيشها البلدة لم نعد نبيع الكمأة".

ويؤكد عدد من أهالي الأنبار، اعتمادهم على الكمأة بعد نفاذ طعامهم في ظل الحصار الذي تفرضه المليشيات والقوات الحكومية بعد غلق منافذ البلدة ومنع وصول الغذاء إلى سكانها، ما أنقذهم من مصير المحاصرين في الفلوجة العراقية ومضايا السورية، ويوضح الهيتي أن الكمأة يطلق عليها "لحم الأرض أو لحم الفقراء" لرخص ثمنها ما يمكّن الفقراء من شرائها بديلا عن اللحم، لكن سعرها أخذ يرتفع عندما بدأ التجار يشترونها أو يعملون على جمعها وتصديرها إلى خارج البلاد أو بيعها في المناطق الراقية من العاصمة بغداد، وبأسعار تفوق سعر اللحم بثلاثة أضعاف في بعض الأحيان.

ويتابع الهيتي أن الكمأة، صارت لها أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة، إذ يعتبر أهل الأنبار العثور عليها مسألة حياة أو موت بعد أن نفد طعامهم ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطعام، حتى صارت نباتات الخباز والطرطيع والحمك والجنيبرة (نباتات برية تنمو في المساحات الفارغة)، ضيفا دائما على موائد طعام الأنباريين.

اقرأ أيضا: تردي بيئة العرب [5/7].. العراقيون يتناولون اليورانيوم في طعامهم




أسعار الكمأة

توجد الكمأة أو الفقع في مناطق سكان غربي العراق وشمالي السعودية وشرقي سورية المتجاورة عبر صحراء تصل إلى نحو 600 ألف كم، وهي من أنواع الفطر البري تشبه حبات البطاطا وتظهر بين شهري أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول كل عام بعد هطول الأمطار وحدوث العواصف الرعدية، ويبدأ موسم جنيها في أوائل شهر فبراير/شباط حتى مارس/آذار.

وحتى العام الماضي، كان سكان الأنبار يعتبرون جني الكمأة بمثابة نزهة وترويح عن النفس، إذ يتم توزيعها على الأصدقاء والأقرباء، ويباع قسم منها بأسعار تصل إلى 50 دولارا للكيلو الواحد، كما يقول أحمد عيسي، غير أن الحال تغير بعد الحصار الذي شهدته المحافظة في الأشهر الأخيرة نتيجة منع وصول الغذاء إلى مدنها، إذ صار عيسى وعائلته، يعتمدون كغيرهم من السكان على الكمأة والحيوانات البرية كالغزلان والأرانب والطيور المنتشرة بالصحراء، خاصة في هذا الوقت من كل عام الذي يشهد موسم تكاثر وهجرة فيها نتيجة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الحكومة على المدن ومنعها من دخول الغذاء إليها.

وتختلف أسعار الكمأة بحسب نوعها، كما يقول تاجر الكمأ عدنان الأنباري، ويتابع موضحا في تصريحات إلى "العربي الجديد"، هناك عدة أنواع لفطر الكمأة ومنها "الخلاسي" ولونه أحمر غامق، وله قشرة صلبة والنوع الآخر "زبيدي" ولونه أبيض وله رائحة مميزة والنوع الآخر "جباء" ولونه يقرب إلى الغامق المسود، و"الهوبر" ولونه مائل إلى الأسود وتتفاوت أحجامه فمنه ما يكون بحجم حبة البندق أو يكبر ليصل بقدر حجم البرتقالة".

وتتفاوت الكمأة باللون والطعم والرائحة والحجم والشكل، وهذه الأنواع تحددها الأرض والتربة وصلابتها ونوع الأشجار التي تنمو حولها، وكما تختلف أنواعه، تختلف أسعاره بين ارتفاع وهبوط إلا أنه في السنوات الأخيرة لوحظ انخفاض سعر الكمأة إلى أقل من خمسة آلاف دينار ( نحو 4 دولارات) للكيلوغرام الواحد في مناطق وجوده، بعد أن كان يصل إلى خمسين دولارا بسبب سيطرة شيوخ العشائر والمتنفذين في الحكومة سابقاً على أماكن انتشار الكمأة وسوقها التجاري، كما يقول التاجر الأنباري.

يشير الأنباري إلى أن أسعار الكمأة تبدأ بالارتفاع كلما ابتعدنا عن مصادرها في محافظات غربي وجنوبي العراق، ولا سيما محافظة الأنبار التي تعتبر البيئة الرئيسية للكمأة في العراق إضافة إلى مدينة المثنى وبادية السماوة جنوبي العراق.

والكمأة أو الفقع كما يعرف في الخليج العربي نوع من النباتات الفطرية التي تنبت تحت سطح الأرض على أعماق متفاوتة ما بين 2 سم إلى 50 سم، ولا يظهر شيء من أجزائها فوق الأرض، فليس لها ورق أو زهر أو جذر، وتنبت في المناطق الصحراوية والبيئات الرملية وتكون ضمن مجموعات في كل مجموعة ما يقارب عشر إلى عشرين حبة في المكان الواحد، وتكون رخوة لحميّة الملمس، وتتدرج لونها من الأبيض إلى الرمادي والبني والأسود، وتعتبر من ألذ وأثمن أنواع الفطريات الصحراوية.

وتعتبر الهضبة الغربية في الأنبار، من أجمل المناطق التي لا تزخر بالكمأة فحسب، بل بمختلف أنواع الغزلان والحيوانات البرية الجميلة والنباتات والأعشاب الطبية النادرة، فضلاً عن كونها مكاناً يتخذه الصيادون للنقاهة والترفيه والصيد بمساحتها الشاسعة جداً، ويقول مازن الكبيسي، من أهالي الرطبة غربي الأنبار إن "الكمأة تعتبر بديلاً عن اللحم، خاصة بالنسبة لأهالي الأنبار المحاصرين ممن لا تدخل مناطقهم مواد غذائية، وبسبب وفرتها هذا العام، وهو ما وفّر للكثيرين طعاماً بديلاً فضلاً عن رخص ثمنها الذي لم يتجاوز خمسة آلاف دينار (4 دولارات) للكيلوغرام الواحد في الوقت الذي تباع فيه الكمأة في مناطق أخرى من العراق، بما لا يقل عن 25 ألف دينار (20 دولاراً) للكيلوغرام الواحد.

ويتابع الكبيسي لـ"العربي الجديد": "نخرج إلى الصحراء بعد موسم الأمطار والعواصف الرعدية ونبدأ برحلة البحث عن الكمأة بتفحص سطح الأرض، وبسبب الخبرة المتراكمة أصبحنا نعرف عملية الكشف عنها فهو يتكون تحت قشرة الأرض بعمق بسيط على شكل انتفاخ متشقق في سطح الأرض، ونقوم باستخراجها بمعول خاص صغير مخصص لهذا الغرض".

اقرأ أيضا: عراقيون في تركيا.. احترس من "القفاصين"

مواجهة سوء التغذية

تشكو العراقية أم حسن، من إصابة أطفالها بالهزال بسبب سوء التغذية إذ تمنع الحكومة العراقية وصول المواد الغذائية إلى المنطقة الغربية في الأنبار التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، غير أن المرأة الأربعينية تشعر بالامتنان للظروف التي أدت إلى تخفيض سعر الكمأة، كما تقول لـ"العربي الجديد"، قبل أن تتابع "في السابق كان يسيطر على تجارة الكمأة شيوخ عشائر وسياسيون ومتنفذون يرفعون سعره إلى حدود لا يستطيع الفقير الحصول عليها مطلقاً. وكانت الكمأة في السنوات السابقة يتراوح سعرها بين 30 - 50 ألف دينار عراقي (25 - 40) دولاراً للكيلوغرام الواحد". تضيف "اليوم أصبحت الكمأة رخيصة الثمن بين 2000 - 5000 دينار وفي ظل الحصار الحكومي، فهي توفر لنا طعاماً غنياً بالغذاء وخاصة للأطفال، فيما يستخدمها البعض للعلاج من أمراض سوء التغذية، وعلاج التهابات العيون وأمراض الحساسية، بسبب شح الدواء".

ويقول أكاديميون ومتخصصون إن صحراء الأنبار الممتدة حول المدن تزخر بكميات كبيرة من الكمأة، لكنها ليست ثابتة النسبة فهي تعتمد على موسم الأمطار والرعد، ويوضح المهندس الزراعي العراقي نذير العاني أن هضبة الأنبار معروفة بتواجد مختلف أنواع الكمأة بعد موسم الأمطار والعواصف الرعدية، لكنَّ كميات الكمأة غير ثابتة، ولا يمكن تحديدها فالصحراء شاسعة وممتدة لمئات الكيلومترات، وتعتمد الكمأة في الأساس على القدرة على جمعها وتوفر الظروف المناخية الملائمة لظهوره.

وبحسب خبراء ومتخصصين، فإن الكمأة تحتوي على البروتين بنسبة 9% ومواد نشوية بنسبة 13% ودهن بنسبة 1% وتحتوي على معادن مشابهة لتلك التي يحتويها جسم الإنسان مثل الفوسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم كما تحتوي على فيتامين "B1، B2" والكمأة غنية بفيتامين "A" كما تحتوي على كمية من النيتروجين بجانب الكربون والأكسجين والهيدروجين، وهذا ما يجعل تركيبها شبيهاً بتركيب اللحم وطعم المطبوخ منه مثل طعم كلى الضأن، وتحتوي الأحماض الأمينية الضرورية لبناء خلايا الجسم، وهو ما يعتبره المهندس العاني، كفيلا بإنقاذ أطفال الأنبار من أمراض سوء التغذية، حتى انتهاء الحصار المفروض على أهل الأنبار.

دلالات