العراق: الدولة بمواجهة السلاح المنفلت

06 سبتمبر 2020
الصورة
انطلقت العملية في البصرة وبغداد (حيدر محمد علي/فرانس برس)

وسط ترحيب شعبي، بدأت قوات عراقية مشتركة من قوات الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب، فجر أمس السبت، عمليتين واسعتين في بغداد ومحافظة البصرة جنوب العراق، تستهدف ما بات يطلق عليه "السلاح المنفلت"، والذي يشمل سلاح العشائر وشبكات تجارة وترويج الأسلحة وعصابات تهريب النفط والمخدرات والجريمة المنظمة. لكن مسؤولين في الحكومة العراقية أكدوا أن الهدف الرئيس من العملية هو الجماعات المسلحة التي تقف خلف الهجمات بصواريخ الكاتيوشا، واستهداف أرتال الدعم اللوجستي للتحالف الدولي، بقيادة واشنطن، والمتورطين بعمليات اغتيال الناشطين في جنوب العراق، بعد أن تبرأت من تلك الجماعات الفصائل المسلحة المنضوية ضمن هيئة "الحشد الشعبي"، بما منح رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي غطاء سياسياً للتحرك ضدها.
وفي بيانين منفصلين، أعلنت قيادة العمليات العراقية المشتركة انطلاق عمليتين بوقت متزامن في بغداد والبصرة، صباح أمس السبت. وأوضحت "شرعت قواتنا الأمنية، وبصنوفها المختلفة، بإمرة قيادة عمليات بغداد فجر اليوم (أمس) السبت، بتفتيش منطقة حسينية المعامل شرقي بغداد ونزع أنواع الأسلحة من المواطنين ومصادرتها وفقاً للقانون ولفرض الأمن والاستقرار فيها". وأضافت "شهد قضاء الحسينية شرقي بغداد استخداماً خطيراً للسلاح المتوسط والخفيف في النزاعات العشائرية، ما تسبب بإزهاق أرواح الأبرياء، وأن من واجب الدولة ألا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي لسلطة القانون". وذكر بيان آخر أن القوات العراقية، ممثلة بقطعات الجيش ولواء المشاة البحري وحرس الحدود وشرطة الطوارئ، باشرت عملية عسكرية واسعة لتفتيش مناطق البصرة والبحث عن المطلوبين والسلاح.

سيتم تخصيص مكافآت مالية للإبلاغ عن الجماعات ومخازن السلاح ضمن عمليات تهدف لاستعادة هيبة الدولة

وتحدّث مسؤولون ونواب عراقيون، لـ"العربي الجديد"، عن أن الحملة التي ستستمر عدة أيام هي بداية فقط، وأن الكاظمي عازم على مواصلتها، لتشمل أكثر من 10 مدن ومحافظات أخرى خلال الفترة المقبلة، وسيتم تخصيص مكافآت مالية للإبلاغ عن تلك الجماعات ومخازن السلاح ضمن عمليات تهدف لاستعادة هيبة الدولة العراقية. وأوضح نائب أن أذرع الكاظمي في هذه العملية هم وزير الداخلية عثمان الغانمي، وقائد جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي، ومستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي، ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، بالإضافة إلى قادة ألوية بالجيش العراقي، إذ تم منحهم صلاحيات واسعة من أجل التصدي لحالة ضعف الدولة والقانون في عدة مدن جنوبية، بالإضافة إلى بغداد. وبيّن أن "الكاظمي تلقى دعماً وتأييداً سياسي، إضافة إلى أن الاحتفاء الشعبي بالعملية عكس تعطش الناس للأمن والقانون واحترام النظام". وكشف أن "العملية لن تقف عند مدن جنوبية أو بغداد، بل ستتجه نحو المدن الشمالية والغربية المحررة، إذ إن هناك جهات مسلحة حولتها إلى بؤر سلاح وإدارة عمليات غير شرعية وتتحرك باسم هيئة الحشد الشعبي".

وتحدث قائد بالفرقة 19 التابعة للجيش العراقي، لـ"العربي الجديد"، عن آلية الحملة الحالية، موضحاً أنها "تعتمد على عمليات التفتيش في مناطق التوتر التي تسجل اشتباكات عشائرية أو جرائم مسلحة، فضلاً عن وجود قاعدة بيانات مُسبقة لمطلوبين وأماكن خزن سلاح". ولفت إلى أن "القوات العراقية تضع بالحسبان الاصطدام مع المسلحين، سواء كانوا جماعات مليشياوية أو عشائرية، وهذا سبب مرافقة سلاح دروع ومروحيات قتالية للقوات المشاركة بالحملة".
بدروه قال النائب رياض المسعودي إن أكثر من 12 مليون قطعة سلاح موجودة يتطلب سحبها اليوم من الشارع، مضيفاً، لـ"العربي الجديد"، أنه "بات واضحاً أنه لا يمكن لأي حكومة النجاح في أي مجال إلا من خلال فرض القانون، وحصر السلاح بيد الدولة. والحكومة مطالبة بوضع خطة صارمة لمنع استخدام السلاح خارج سيطرة الدولة، ومحاسبة أي جهة تستخدم هذا السلاح. وننتظر الأيام المقبلة لمعرفة جدية وقدرة حكومة مصطفى الكاظمي في التعامل مع هذا الملف المهم والحساس".
بالمقابل، قال رئيس كتلة "الرافدين" في البرلمان العراقي يونادم كنا، إن "هناك أطرافاً سياسية مستفيدة من السلاح المنفلت في العراق، حيث تحقق من خلاله مكاسب ومغانم، وهذا ما يعرقل أي عملية عسكرية لفرض هيبة الدولة والقانون". ولم يستبعد "إفشال العملية العسكرية الحالية من خلال الضغوط والتهديدات السياسية". وقال، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه "في حال توافرت إرادة سياسية حقيقية لدى القوى المتنفذة لمحاربة السلاح المنفلت، ستكون حكومة مصطفى الكاظمي قادرة على محاربة هذا السلاح وحصره بيد الدولة وفرض القانون. لكن في حال العكس فهذا سيؤدي الى صدامات مسلحة وحرب شوارع في المدن العراقية، وهذا أمر خطير، سيخلق المزيد من المشاكل والأزمات".

الاحتفاء الشعبي بالعملية عكس تعطش الناس للأمن والقانون واحترام النظام

وكشف سعد المطلبي، القيادي بكتلة "دولة القانون" التي يتزعمها نوري المالكي، لـ"العربي الجديد"، عن "وجود اتفاق سياسي على قيام الحكومة بهذه المهمة"، متوقعاً أن "تكون هناك مواجهات بين القوات الأمنية وحملة السلاح المنفلت، وأن نجاح المهمة من عدمها سيعتمد على طبيعة تعامل الحكومة مع الملف بالكامل"، معتبراً أن "الفشل في استعادة هيبة وسيادة الدولة يعني أنه لن يتبقى دولة في العراق".
وبعد ساعات من انطلاق الحملة العسكرية في البصرة، قالت قيادة العمليات المشتركة إنها "تمكنت من القبض على 16 مطلوباً بجرائم قتل وإرهاب وخطف ومخدرات، ومصادرة أسلحة متوسطة وخفيفة وقذائف صاروخية وصواعق تفجير وقنابل يدوية ومتفجرات من مادة سي فور". وفي المقابل، أعلن في بغداد عن تحرير مدير فرع شركة مرسيدس للسيارات في العراق بعملية في بغداد". وأوضح جهاز الأمن الوطني، في بيان، أنه "بناءً على معلومات استخبارية تفيد بوجود مختطف في أحد المنازل المهجورة في منطقة حي القاهرة، أجرت مفرزة من جهاز الأمن الوطني عمليات المتابعة والتحري الميداني. وأسفرت الجهود بعد التأكد والاستحصال على الموافقات القانونية إلى مداهمة الدار وتحرير شخص تبين أنه أردني الجنسية يعمل مديراً لشركة مرسيدس فرع العراق ومخطوف منذ ثلاثة أيام". وأشار إلى أن "القوة الأمنية عثرت على اسلحة رشاشة وأعتدة ودروع وهواتف خليوية تخص الخاطفين".
وأكد وزير الداخلية العراقي عثمان الغانمي أن فرض هيبة الدولة، وإنفاذ القانون واجب وطني، مشيراً، في بيان، إلى أن "ما تقوم به الأجهزة الأمنية من عمليات استباقية لإلقاء القبض على المطلوبين وضبط الأسلحة غير المرخصة ستكون لها نتائج إيجابية في الشارع العراقي". ولفت إلى أن "تعاون المواطنين مع القوات الأمنية يبشر بالخير لترسيخ الأمان والسلام".
الخبير بالشؤون الأمنية في محافظة البصرة جنوب العراق علي المالكي قال، لـ"العربي الجديد"، إن "احتفال العراقيين بالعملية من خلال الاهتمام الكبير الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي وبالشارع أفضل تفويض ودعم لرئيس الحكومة في أن تكون العملية حقيقية وليست شكلية". وأضاف "حتى الآن العملية لم تدخل بعمق مشكلة السلاح ومكامن وجوده والجهات التي تحمله، والتي هي نفسها مسؤولة عن العنف الحالي في الجنوب. لذا لا يمكن الاستعجال والقول إن العملية جيدة أو تحقق نجاحاً، لأن العثور على بضع قطع سلاح في مدينة تحوي أكثر من مليوني قطعة لا يمكن أن يعتبر نجاحاً، وليس من المقبول حتى إفراد بيان لها". واعتبر أن "الكاظمي وضع نفسه بموقف صعب، لأن انتهاء العمليات الحالية دون أن يلمس المواطن أي فارق على مستوى الأمن يعني فشل يسجل ضده، ونقطة ضعف عليه أمام القوى السياسية، لذا قد تكون هناك مساحة تفاؤل بأن العملية ستكون مختلفة وتحقق ولو نسبة بسيطة من الأمن للعراقيين".