العراقيون يهجرون الوطن ويخسرون لهجته

العراقيون يهجرون الوطن ويخسرون لهجته

11 اغسطس 2016
الصورة
الأبناء يقضون سبع ساعات في المدرسة (كارولين تيبل/فرانس برس)
+ الخط -

يواجه أبو طارق الذي يقيم وعائلته في مصر، بعض الصعوبات في الاندماج في المجتمع الجديد، بسبب تمسّكه بلهجته العراقية. بالنسبة إليه، التحدّث بلهجة جديدة سوف يفقدهم هويتهم. ويقول لـ "العربي الجديد" إنّه يفهم الكلام باللهجة المصريّة، لكنّ أطفاله الخمسة يجدون صعوبة في ذلك. من جهة أخرى، يجد صعوبة في شرح كلماته التي ينطقها باللهجة العراقية. ويشدّد على أنّ "الحفاظ على اللهجة الأمّ يحافظ على الهوية".

عبد الرزاق نصر الله، عراقيّ آخر هجر البلاد ليستقرّ مع عائلته في الغربة. منذ سبع سنوات، يقيم في لبنان مع أطفاله الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً. يقول: "أجد صعوبة في الاندماج في المجتمع اللبناني. ولأنّني حريص جداً على الحفاظ على لهجتنا العراقية ومراقبة أطفالي حين يتحدثون داخل المنزل، فإنّ ذلك يخلق متاعب لنا. إن تحدّثوا بغير لهجتنا، أجدني أوبّخهم وأطلب منهم عدم تغيير لهجة وطنهم. لكنّ الصعوبة تكمن في عدم فهم اللبنانيين لهجتنا". يضيف لـ "العربي الجديد" أنّ "أطفالي، على الرغم من حرصي على تعليمهم اللهجة العراقية، إلا أنّهم كثيراً ما يتحدّثون اللهجة اللبنانية تلقائياً، نتيجة احتكاكهم بالمجتمع واختلاطهم مع زملائهم في المدارس اللبنانية".

من جهته، يرى عبد الرحمن الشهرباني المقيم في أوروبا، أنّ "كبار السنّ والآباء والأمهات يصعب عليهم التخاطب بلهجة البلد الجديد أو لغته، فيستمرون باستخدام اللهجة العراقية في المنزل ومع الأولاد. وهو أمر من شأنه أن يساهم في الحفاظ عليها بين أفراد الأسرة". ويقول لـ "العربي الجديد" إنّ "مفردات عديدة باللهجة العراقية سوف تختفي في الأسر المقيمة خارج البلاد، عند رحيل الجيل المهاجر الأوّل. الأبناء يقضون وقتاً يصل إلى سبع ساعات خارج المنزل في المدرسة أو العمل، وهم مضطرون إلى التواصل باللغة المحكية في بلد إقامتهم". ويتابع الشهرباني: "نعاني كمغتربين في التحدث باللهجة العراقية مع أبنائنا الذين ترعرعوا في بلاد الغربة، ليس لأنهم لم يعودوا يتقنون التحدّث بها بل لأنّهم يفقدون لغتنا العربية ككلّ. إن تكلّمت معهم باللهجة العراقية يردون عليك أنّهم لا يفهمونها، وإن تكلّمت بالفصحى تراهم غير راغبين بالردّ. وبعدما نتعب من التكرار، نتواصل معهم باللغة الأجنبية لاختصار الوقت". وببعض حرج يقول: "أعاني من تهرّب أولادي عندما يتصّل بنا أقرباؤنا من العراق. هم غير قادرين على التحدث مع جدّهم لا باللهجة العراقية ولا بالعربية الفصحى. فأضطر إلى شرح الوضع وتبريره لأهلي".




في هذا السياق، يرى الناشط في منظمات المجتمع المدني في العراق، أبو مقداد السامرائي، أنّ الحفاظ على اللهجة العراقية يُعدّ "تحدياً أمام العراقيين في الخارج. صعوبات فهم تلك اللهجة من قبل أبناء الدول العربية، تضطر العراقي إلى البحث عمّا هو مشترك. فيلجأ إلى أكثر من مفردة ذات معنى واحد، لإيصال الفكرة، كأن يقول جيب وهات واعطني وغير ذلك". أمّا في الدول الغربيّة، فالأمر أكثر تعقيداً. ويلفت السامرائي لـ "العربي الجديد" إلى أنّ "صعوبة اللهجة العراقية يكمن في أصل المفردة وفي طريقة تركيبها. وهنا أقول: إذا أردت أن تفهم ثقافة شعب، عليك أن تفهم خارطته التاريخية. غزا كثيرون العراق كالمغول الذين لم يدم وجودهم طويلاً، والفرس والعثمانيون والإنكليز. لذا، من الطبيعي أن تجد في اللهجة العراقية مفردات تركية أو فارسية أو حتى إنكليزية ومغولية، قديمة وحديثة".

من جهته، يقول أستاذ اللغة والنحو في جامعة ديالى، الدكتور مكي نومان، إنّ "اختلاف اللهجة العراقية عن بقية اللهجات العربية، أمر مألوف. لكنّ المشترك بينها كثير، لأنّ الأصل واحد وهو اللغة العربية الفصحى". يضيف لـ "العربي الجديد" أنّه "نتيجة التطوّر اللغويّ، تعدّدت اللهجات العربية، ولكلّ منها خصائص تميّزها. أما بخصوص اختلافها عن اللهجات الخليجية والشامية، فلكلّ بيئة جغرافية لهجتها التي تختص بها والتي يعرفها أهلها الناطقون بها". ويشير إلى أنّ بعض اللهجات هي وريثة لغات قديمة. فاللهجة العراقية ورثت فضلاً عن الفصحى أشياء عن اللغة الأكدية بفرعَيها الآشوري والبابلي".

ويعزو نومان أسباب عدم فهم غير العراقيين اللهجة العراقية، إلى "محدودية انتشارها خارج العراق، على عكس اللهجة المصرية التي انتشرت بواسطة الإعلام والأعمال الفنية الرائجة في البلاد العربية". لكنّه يلاحظ "تغيّراً خلال الحقبة الأخيرة، إذ راحت اللهجة العراقية تسجّل حضوراً لها في البلدان العربية، على خلفيّة المستجدات الأخيرة وهجرة العراقيين واختلاطهم مع الشعوب العربية الأخرى". إلى ذلك، يوضح نومان أنّ "اللهجة العراقية خليط من لهجات محلية كثيرة.. لهجة الموصل ولهجة بغداد ولهجة تكريت ولهجة البصرة وغيرها. وأصل هذه اللهجات المحلية كما ذكرنا، هي الفصحى واللغات العراقية القديمة وكذلك لغات القبائل العربية القديمة (بني تميم وأسد وقيس) بالإضافة إلى اللغات الأجنبية من فارسية وهندية وسريانية وتركية وإنكليزية وغيرها".

أمّا الأكاديمي فاضل عبود التميمي فيرى أنّ "اللهجة العراقية أقرب اللهجات العربية إلى اللغة العربية الفصحى. ويستطيع الباحث أن يردّ معظم الألفاظ العامية إلى أصلها الفصيح، إذا استثنينا الألفاظ التركية والفارسية". ويلفت لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "ثمّة مفردات محلية غارقة في عاميّتها، لذا ﻻ يفهمها العربي ولا حتى العراقي البعيد عنها".