العدالة الانتقالية تنظر جريمة الحرم الجامعي بالتسعينيات: نظام بن علي قنص الأحلام

30 يناير 2020
الصورة
غاب المتهمون عن الجلسة (فرانس برس)
+ الخط -
لطالما تمنى التونسي مراد العبيدي أن يصبح يوماً قاضياً أو محامياً من أجل إعادة الاعتبار إلى رفيق دربه في الطفولة والجامعة أحمد عمري، والذي قتله نظام زين العابدين بن علي وسط الحرم الجامعي، حتى تحقق الحلم بعد 30 عاماً، إذ وجد العبيدي نفسه يرافع في جلسة بالدائرة المتخصصة في العدالة الانتقالية، اليوم الخميس، مخصصة لقضية رفيقه الذي قضى معه أحلى الفترات وتشاركا الأحلام نفسها.

يقول العبيدي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنّ هذه الجلسة هي السادسة التي يحضرها كمحامي دفاع، وفي كل مرة تنتابه الأحاسيس نفسها، ويسترجع شريط الأحداث وفترة التسعينيات، عندما كان نظام بن علي يطارد نقابيي الاتجاه الإسلامي بالجامعات حينما كانوا يدافعون عن انتمائهم وحقهم في التظاهر عام 1987، ولكن النظام قتلهم بدماء باردة، مضيفاً: "أشعر وكأن صديق طفولتي حي وحاضر في قاعة المحكمة، وسعيد لأننا نطالب بمحاسبة النظام الذي قتله، إنه اليوم يختبر وفاءنا".

ويؤكد العبيدي أنّ بن علي لم يقتل صديقه فقط، بل "قتل الأحلام التي تقاسمناها في منطقتنا بقلعة سنان في الكاف شمال غربي تونس"، مبيناً أنّ "الشهيد أحمد عمري حلم بوطن حر وديمقراطي بعيداً عن الاستبداد والظلم، ومجتمع حضاري مدني، ولكنه حُرم من رؤية هذا الحلم يتحقق، وقدم عمره وحريته من أجل تونس وحان الوقت لتأخذ العدالة الانتقالية مجراها".

ويتابع أنّ "غياب المتهمين استعلاء وتجاهل للقضاء والعدالة"، مؤكداً أنّه "لم يحضر أي طرف من المتهمين من نظام بن علي وكأنهم يخشون كشف الحقيقة"، مضيفاً أنّ "المحكمة طلبت في جلسة اليوم وثيقة رسمية في وفاة زين العابدين بن علي لضمها إلى الملف بحكم لأنه أحد المنسوب إليهم الانتهاك"، وأنّ "قدماء الطلبة الذين استهدفهم النظام كانوا من عديد الكليات وقدموا اليوم شهادات حول قنص الطلبة وقتلهم بالرصاص".

ولفت إلى أنه سُجن في التسعينيات لأنه راوغ الأمن وأصر حينها على سلك طريق سرية لتقديم التعازي لعائلة رفيق دربه، مؤكداً أنّه تقدم بملف لـ"هيئة الحقيقة والكرامة" مباشرة بعد الثورة عام 2011 لإعطاء الشهيد حقه ومحاسبة الجلادين.

ويلفت صديق الشهيد، حمدي زواري، إلى أنهم لم يتخيلوا يوماً أن يقتحم نظام بن علي الحرم الجامعي، فقد قرروا حينها، بحكم نشاطهم النقابي في الجامعات وبحكم انتمائهم إلى حركة الاتجاه الإسلامي، التظاهر وبرمجة تحركات واجتماعات عامة من أجل حقهم في النشاط الطلابي والحزبي، ولكن تسلل الأمن المدجج بالسلاح من سور المدرسة القومية للمهندسين، وكان الأمن الجامعي أيضاً مسلحاً وأطلقوا الرصاص على الطلبة ليسقط مئات الجرحى وقتيلان.

ويضيف زواري لـ"العربي الجديد" أنّ "عديد الجرحى لا يزالون إلى غاية اليوم يحملون آثار الرصاص وهناك من فقد بصره وآخرون لديهم سقوط بدني"، كما أنّ "أغلب المشاهد لا تزال عالقة بأذهانهم، وبمجرد أن ألتقي اليوم برفاق دربي أتذكر ما حصل حينها وأنا لا أزال طالباً".

وبيّن أنه سجن حينها وعمره 21 عاماً وخرج بعد 10 سنوات من السجن، لتنطلق رحلة المراقبة الإدارية ومنعه من مواصلة دراسته، ولكنه قرر الدراسة في التعليم الخاص وحقق حلمه بأن يكون مهندساً؛ "هذا الحلم الذي حاول نظام بن علي قتله أيضاً"، كما يقول.

ولفت إلى أنه "لا بد من كشف الحقيقة؛ لأن عديد العائلات لا يصدقون ما كان يحصل، والمجزرة التي اقترفت في 8 مايو/أيار 1991، وكيف قرر النظام قتل الطلبة في الحرم الجامعي"، مضيفاً أنّه "لا بد من محاسبة من ارتكبوا جرائم في تلك الفترة لينالوا جزاءهم".