العداءات الوهمية!

28 يونيو 2020
لست بصدد الحديث عن العداء "الوهمي" بين السعودية وايران، أو الحديث عن ذات الوهم في العداء بين إيران وإسرائيل، فهذه مواضيع عالقة وتثير جدلاً. لكن ما يتضح اليوم جلياً هو التظاهر بالعداء بين روسيا و"الناتو"، سيما في الملفات الشائكة مثل الملفين السوري والليبي.

لا يخفى على أحد أن موقف "الناتو" في المعترك الليبي منقسم على نفسه ومتواجد في كلتا الجبهتين. فتركيا القوة "الناتوية" الأولى في أوروبا لا تمثل "الناتو" ولا تمثل موقفه الحقيقي في تواجدها في ليبيا.. هذا أمر واضح. لكن موقف "الناتو" الحقيقي والأصيل اليوم تمثله فرنسا من خلال تواجدها في ليبيا في مواجهة تركيا. وكذلك ألمانيا من ورائها وغيرها من القوى الأوروبية.


وليس عجيباً أن تكون روسيا وفرنسا في خندق واحد في المعترك الليبي، العجيب أن يصرح الأمين العام لحلف "الناتو" يانس ستولتنبرغ بأنّ الوضع في ليبيا خطير جداً ويثير قلق "الناتو" نظراً للوجود الروسي، متناسياً أن الوجود الروسي مصطف إلى جانب الوجود الفرنسي ضد الوجود التركي..

والوضع الأخطر ما صرح هو به عن التنويه إلى ضرورة إيجاد حل سياسي وتسوية سياسية تحت مظلة الأمم المتحدة. وتأتي تصريحاته هذه بعد صعوبة الاحتفاظ بخليفة حفتر وبرلمانه ومليشياته في أجواء التقدم العسكري لقوات "الوفاق" المدعومة تركياً عسكرياً وسياسياً.

ومع التغير المفاجئ في الموقف الجزائري لصالح حفتر والتلميحات الأوروبية عن ضرورة التسوية السياسية، بات القادم أقرب لتهيئة الأجواء لاستصدار قرارات أممية تؤهل لإنقاذ حفتر وبرلمانه ومكتسباته ومليشياته ومن ثم تأهيله للوصول إلى منصة الاعتراف الشرعي، الذي يعني فعلياً تقسيم ليبيا والتي تعني على الأرض -إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا- كون جزء الساحل الليبي المقابل للسواحل التركية تحت سيطرة حفتر.

السؤال الذي يصعب استشراف جواب له يبقى هو: ماذا سيفعل الأتراك و"الوفاق" في ظل تقدمهم العسكري وتفوقهم النوعي، في ظل إحالة الملف إلى أروقة الأمم المتحدة بانحياز واضح وحشد دولي ضخم لإنقاذ حفتر؟!.

كيف سيتصرف الأتراك في هذا الموقف المفصلي؟!.. هل سيرضخون للحشد الأممي وقراراته؟ أم سيضربون عرض الحائط كما فعلوا في قبرص في العام 1974.. هل سيقدمون على تسليح "الوفاق" بمدد يمكنهم من معركة خاطفة حاسمة لا تبقي ولا تذر؟

لا شك هذه المعركة ستكون مختلفة عن معاركهم وانتصاراتهم في عفرين وإدلب وطرابلس، سيما وقد أصبح الوقت حرجاً، إما خوض المعركة أو تفويت الفرصة لتنتهزها الأمم المتحدة.. هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، وإن كنت أميل بتوقعي أنهم سيضربون عرض الحائط..

خلاصة القول: "الناتو" يتظاهر بالعداء (الوهمي) للوجود الروسي في ليبيا، لكن في حقيقة الأمر هو متحسس من التمدد التركي في الضفة الجنوبية للمتوسط.