العبادي يتهيأ لأزمات ما بعد الموصل

11 مارس 2017
الصورة
تبدو مهمة العبادي صعبة (أحمد الربيعي/فرانس برس)
+ الخط -

مع التقدّم الكبير الذي تحرزه القوات العراقية في معركة تحرير الموصل على حساب تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وقرب حسم المعركة، تبرز مشاكل وأزمات كبيرة لمرحلة ما بعد التحرير، فالأكراد ما زالوا يرفضون الانسحاب من محيط الموصل ويصرون على كردية مناطق عديدة في محافظة نينوى ضمن ما اصطلح عليه رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني "حدود الدم"، التي تقضي بتوسيع مساحة الإقليم الكردي المدعوم من الغرب نحو بعض تلك المناطق التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الموصل، كما هو الحال في مدينة تلكيف شمال شرقي المدينة. مقابل ذلك يحوّل حزب "العمال الكردستاني" سنجار غرب الموصل إلى عاصمة بديلة له وينشر قواته على حدودها وفي داخلها ويرفض الانسحاب منها، فيما تقترب مليشيات "الحشد الشعبي" برفقة مستشارين إيرانيين من إكمال تمددها نحو الحدود الدولية بين العراق وسورية. بينما ترفض حكومة حيدر العبادي أي دور لقوات العشائر ومتطوعي أبناء نينوى المدعومين من قبل أنقرة، والتي هي الأخرى ما تزال تبسط سيطرتها على جبل بعشيقة ومحيطه بمئات الجنود ترافقهم دبابات وآليات.
في غضون ذلك، يرخي الجيش الأميركي رحاله في معسكرين ثابتين، الأول في مخمور، والثاني في حمام العليل قرب الموصل تنحصر مهامه في تقديم الدعم العسكري المباشر والرصد الاستخباري في المنطقة الممتدة من مثلث فيشخابور التركي-العراقي-السوري مروراً بقلب المحافظة وعاصمتها الموصل ثم محوري مخمور وخازر وانتهاء بحدود المحافظة مع الأنبار وكركوك.
خارطة عسكرية بطابع سياسي معقد للغاية، وفقاً لمصادر عسكرية عراقية التقت بها "العربي الجديد" في بغداد والموصل وأربيل، وهو ما ينذر بأزمات كبيرة قد تفسد على بغداد بهجة الانتصار في الموصل، وقد يكون أسوأ الأزمات حصول صدام مسلح بين الأطراف المختلفة بعد أن توحّدوا سابقاً ضد العدو المشترك تنظيم "داعش".
كل ذلك دفع برئيس الوزراء حيدر العبادي إلى التبكير بمحادثات جدية بدأت  الثلاثاء مع أطراف عدة داخل وخارج العراق فاعلة في ساحة محافظة نينوى الحدودية، دولياً مع تركيا وسورية، وداخلياً مع الأنبار القلقة وكركوك المهددة أمنياً وسياسياً بمزيد من الأزمات، فضلاً عن أربيل عاصمة الإقليم، ومحافظة دهوك التي تشهد حرباً باردة منذ مدة بين قطبي الإقليم حزب "الاتحاد" و"الحزب الديمقراطي".
وقال مسؤول بارز في مكتب العبادي لـ"العربي الجديد"، إن "الأخير بدأ مباحثات جدية مع أطراف سياسية فاعلة في الساحة تحسباً لسيناريوهات سيئة لما بعد معركة الموصل التي باتت بحكم المحسومة"، مبيناً أن العبادي بدأ بإجراء محادثات مع رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني تركزت على انسحاب البشمركة من المدن والبلدات وعودتها إلى حدود ما قبل 10 إبريل/نيسان 2014. ولفت إلى الطرف الأميركي يحاول تقريب وجهات النظر في الوقت الحالي، خصوصاً بعد تصريحات صدرت أخيراً عن مسؤولين أكراد قالوا فيها "لن ننسحب من مناطق قدمنا فيها تضحيات وحررناها من داعش".
وأوضح المسؤول أن هناك مباحثات أخرى حول حزب "العمال الكردستاني" وانسحابه من مدينة سنجار، واتصالات لإقناع قوات عشائر نينوى والمتطوعين الآخرين بقيادة أثيل النجيفي لحل قواتهم ودمج قسم منهم في الشرطة ووظائف أخرى، بينما يدخل العبادي في صلب ملفي المليشيات التي تقترب لفرض سيطرتها على الحدود مع سورية، والقوات التركية التي تشترط على بغداد طرد "العمال الكردستاني" من سنجار القريبة من الأراضي التركية مقابل سحب قواتها التي تعتبرها مصداً أمنياً لأراضيها في الوقت الحالي.


المسؤول العراقي وصف مهمة العبادي بالصعبة للغاية، لافتاً إلى أنه "طلب دعماً أميركياً وإيرانياً في الوقت نفسه لتداخل الأجندات وتبعية بعض أطراف الصراع لجهات خارجية كطهران وواشنطن". وكان العبادي قد زار الموصل الثلاثاء قادماً من بغداد، ثم انتقل إلى أربيل وفقاً لمصادر خاصة بـ"العربي الجديد" للقاء مسؤولين أكراد في إقليم كردستان.
وتسيطر القوات الكردية حتى الآن على مناطق ومدن عدة أبرزها بعشيقة ومخمور وخازر وتل سقف وتلكيف وأجزاء من سنجار ومدينة ربيعة والحمدانية وبلدات أخرى، بينما يسيطر "العمال الكردستاني" على سنجار ونحو 20 قرية حولها. وتنتشر مليشيات "الحشد" ومستشارون إيرانيون في محيط تلعفر وحتى الطريق المفضي إلى الأراضي السورية، فيما يتواجد الجيش التركي في جبل بعشيقة على بعد 23 كيلومتراً من الموصل، وإلى جواره توجد قوات مؤلفة من نحو 15 ألف مقاتل من العشائر العربية ومتطوعي أبناء نينوى ترفض بغداد الاعتراف بهم كقوة تقاتل تنظيم "داعش"، بينما يجد الجيش العراقي نفسه في مناطق مبعثرة داخل الموصل وخارجها، فيما يسعى "داعش" للحفاظ على آخر معاقله في المحافظة وهي مدن البعاج وتلعفر والجزيرة.
ويُقدّر مجموع عدد تلك القوات التي توحّدت في اتفاق تاريخي مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي للهجوم على الموصل على الرغم من اختلافها، بأكثر من ربع مليون مقاتل على مساحة تبلغ 80 ألف كيلومتر مربع، موزعة على ست قوى، كل واحدة منها لها أجندتها الخاصة وتدين بالولاء لطرف دون آخر، وهي الجيش العراقي ومليشيات "الحشد" والبشمركة وحزب "العمال الكردستاني" والجيش التركي وقوات حرس نينوى العشائرية.
وفي هذا الإطار، أكد عضو "التحالف الكردستاني"، حمة أمين، في حديث لـ"العربي الجديد"، وجود مباحثات وصفها بالمتشعبة مع أطراف عدة أطلقتها بغداد، موضحاً أن "واشنطن لا تريد الانحياز لبغداد أو أربيل وتحاول تقريب وجهات النظر"، لافتاً إلى أنه تم التوصل إلى اتفاق أولي الثلاثاء على وقف التصريحات والتصعيد الإعلامي خصوصاً من قبل مليشيات "الحشد" تجاه ملف المناطق التي تسيطر عليها البشمركة.
ورجح أمين أن يتم حل ملف حزب "العمال الكردستاني" بدعم أميركي "وهي نقطة تجتمع عليها بغداد وأربيل وتدعمها واشنطن، لإخراج الحزب من سنجار، تعقبها خطوة مقابلة لأنقرة تحدد مستقبل قواتها في بعشيقة"، واصفاً بدء العبادي المباحثات من الآن بأنها محاولة صحيحة لتجنّب صراع دموي في المحافظة.

المساهمون