العالم يتجه نحو التمويل الرخيص بعد كورونا

العالم يتجه نحو التمويل الرخيص بعد كورونا

27 ابريل 2020
رئيس مصرف الاحتياط الفيدرالي جيروم باول (Getty)
+ الخط -
يتوقع اقتصاديون أن تسود التمويلات النقدية الرخيصة العالم خلال الأعوام المقبلة، وأن تحافظ الفائدة المصرفية في الاقتصادات الكبرى على مستوياتها المنخفضة، مقتربة من الصفر أو تحت الصفر خلال الثلاث سنوات المقبلة، وذلك في حال القضاء على وباء "كوفيد 19" بنهاية الصيف الجاري. وحسب هؤلاء فإن ضغوط الإنعاش الاقتصادي ومخاوف الانزلاق في منحدر الإفلاسات قد تدفع مخططي السياسات النقدية نحو التيسير وإعفاءات وتمديد فترة السماح خلال السنوات الأولى من القضاء على كورونا. 

ومن بين العوامل التي ستضغط على البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، لتبني السياسات النقدية المرنة، ارتفاع الديون السيادية لدى معظم دول وشركات مجموعة السبع الغنية، ومحاولة دعم القطاعات والنشاطات الاقتصادية التي ضربها الإغلاق عبر إتاحة التمويل الرخيص، وكذلك مساعدة المستهلك على الإنفاق الاستهلاكي، وتعزيز القوة الشرائية التي تمثل الركيزة الأساسية في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. وتمثل نسبة الفائدة الصفرية أو تحت الصفرية الضمانة الوحيدة لإغراء المستهلكين للإنفاق بعد فترة من القلق النفسي.

ويلاحظ أن الاقتصادات الكبرى نفذت خلال الربع الأول وشهر إبريل/نيسان الجاري من العام الجاري عمليات تحفيز قدّرت بأكثر من 12 تريليون دولار لإنقاذ نظمها المالية والاقتصادية من الانهيار، خاصة إنقاذ القطاعات الأكثر تضرراً، مثل الطيران والسفر والمواصلات والشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجالات تجارة التجزئة، وكذلك دعم الشركات للاحتفاظ بموظفيها.

كذلك لجأت بعض الدول، مثل الولايات المتحدة وهونغ كونغ، إلى دفع مبالغ عينية لكل مواطن، كما تعكف اليابان على دفع مبالغ عينية هي الأخرى للمواطنين.

ويتوقع اقتصاديون، في مسح لوكالة بلومبيرغ قبل يومين، أن تخرج الشركات الحكومية والخاصة كذلك منهكة مالياً ومحاصرة من حيث حجم الأصول ونوعيتها في أسواق المال، بسبب الخسائر الضخمة التي تكبدتها بعد الإغلاق وتوقف نشاطاتها لفترة شهور، وكذلك بسبب الخسائر المالية في البورصات، وبالتالي فإن إنعاش الاقتصاد بحاجة إلى تمويلات رخيصة تحصل عليها الشركات من المصارف التجارية.

على الصعيد الأميركي، يذكر أن حجم الديون السيادية في الولايات المتحدة ارتفع فوق 22 تريليون دولار قبل أزمة تفشي كوفيد 19، وأن عمليات التحفيز التي أقرتها الحكومة أخيراً بنحو 2.2 تريليون دولار، وعمليات التحفيز المالي المقبلة للاقتصاد، ربما سترفع إجمالي الدين السيادي الأميركي فوق 25 تريليون دولار بنهاية العام الجاري. ويعمل مصرف الاحتياط الفيدرالي كل ما بوسعه لإنقاذ سوق المال الأميركي من الانهيار، خاصة أن محللين في نيويورك يرون أن مؤشر داو جونز سيواصل رحلة الانهيار قبل أن تبدأ رحلة انتعاش جديدة.

في هذا الصدد، يقول الرئيس التنفيذي لشركة "هيركليز إنفستمنت" الأميركية، في تعليقات نقلتها صحيفة "فاينانشيال تايمز"، إن "انهيار وول ستريت لم يصل إلى القاع بعد، وإن مؤشر داو جونز سينخفض إلى 15000 نقطة قبل أن يعود للارتفاع بشكل تدريجي نحو الأعلى ضمن دورة جديدة".
ومعروف أن سياسة الفائدة الأميركية والعالمية من بين الأدوات التي تستخدمها المصارف المركزية لإنعاش أسواق المال وتشجيع المستثمرين على ضخ أموال في السوق، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من بين الرؤساء القلائل الذين يربطون نجاح سياساتهم المالية والاقتصادية بمؤشرات سوق "وول ستريت" الرئيسية. وحرص ترامب على إظهار ذلك في تغريداته كلما ارتفع مؤشر داو جونز أو مؤشر "ستاندرد آند بورز ـ 500".

وبالتالي يرى العديد من خبراء المال أن الاتجاه الوحيد لمسار سعر الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة سيكون إلى أدنى، بينما لا يستبعد محللون بنشرة "ماركتس ووتش" أن تتحول الفائدة على الدولار إلى سالب خلال العام الجاري. وفي حال حدوث ذلك، فستكون أول سابقة من نوعها منذ إنشاء مصرف الاحتياط الفيدرالي في القرن التاسع عشر.

وفي هذا الشأن، قال خبراء في الاقتصاد استطلعت آراءهم وكالة بلومبيرغ الأميركية، في مسح نشرته قبل يومين، أن مصرف الاحتياط الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي"، سيعمل على الاحتفاظ بسعر الفائدة مقتربة من الصفر أو صفر خلال السنوات الثلاث المقبلة، أي حتى عام 2023.

ويشير المسح إلى أن ضغوط إنعاش الاقتصاد الكلي ومنع حدوث أزمات مالية في قطاعات الإسكان وسوق المال والسندات وكذلك لخفض كلف خدمة الدين العام التي ستدفعها الخزانة الأميركية ستكون من محفزات الاحتفاظ بسعر فائدة منخفض. ويقدر مكتب الميزانية التابع للكونغرس المبالغ التي دفعتها الخزانة الأميركية بأكثر من 550 مليار دولار سنوياً لخدمة هذه الديون في العام الماضي 2019.

وحسب المسح، فإن عمليات الضخّ المالي المتواصلة رفعت موازنة مصرف الاحتياط الفيدرالي إلى 6.57 تريليونات دولار حتى الآن، ولكن يقدر الاقتصاديون الذين شملهم المسح بوكالة بلومبيرغ أن ترتفع ميزانية الاحتياط الفيدرالي إلى 10 تريليونات دولار بنهاية وباء كوفيد 19. أما على صعيد الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا، فعادة ما تتبع البنوك المركزية السياسة النقدية الأميركية، خاصة سياسة سعر الفائدة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر منتصف الشهر الجاري، أن يتراجع الاقتصاد الأميركي بـ 5.9% واقتصاد منطقة اليورو بـ7.5%، واليابان بـ5.2%، وبريطانيا بـ6.5%، وروسيا بـ5.5%، وجنوب أفريقيا بـ5.8%، وتركيا بـ5%، بينما قدر انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.0% خلال العام الجاري. وهي نسبة متواضعة جداً مقارنة بحجم الدمار الذي شهدته الاقتصادات الكبرى خلال شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الجاري.

على الصعيد التجاري يواصل حجم التجارة العالمي الانكماش، وتشير البيانات التي نشرتها الوكالة الهولندية لتحليل السياسات الاقتصادية، وهي وكالة تراقب تدفقات التجارة العالمية، إلى أن حجم التبادل التجاري العالمي انخفض بنسبة 2.6% في فبراير/ شباط الماضي، وكان أكبر انخفاض في معدلات الانكماش في كل من الصين واليابان التي بلغت 9.0%.

وعلى الصعيد الأوروبي، فإن السياسة النقدية المتوقعة خلال السنوات المقبلة ستعمل على تخفيف أعباء خدمة الديون على الدول في منطقة اليورو حسب محللين. كذلك سيواصل البنك المركزي الأوروبي عمليات شراء السندات التي تصدرها الدول الضعيفة في منطقة اليورو.

ولا يستبعد اقتصاديون أن يتبع المركزي الأوروبي الذي سيكون في حاجة ماسة لتمويلات دولارية السياسة النقدية الأميركية المرنة. وتحتاج المصارف التجارية والشركات في أوروبا واليابان إلى الدولارات الأميركية لخدمة القروض المتراكمة بالعملة الخضراء أو ما يسمى سندات "اليورو بوندز".
أما على صعيد الاقتصادات الناشئة التي تعيش أحلك فتراتها الاقتصادية، فإنها ربما ستحتاج إلى رفع الفائدة المصرفية حتى تتمكن من جذب المصارف الغربية لإقراضها بالدولار واليورو. وتعتمد الدول الناشئة على مبيعات السلع الأولية التي انهارت بشدة خلال العام الجاري. وبالتالي ستحتاج إلى رفع نسبة الفائدة لجذب المصارف الغربية وإغرائها بالمخاطرة وضخ أموال خلال العام الأول الذي يلي القضاء على فيروس كورونا.

أما بالنسبة لدول المصدرة للنفط، فإنها ستخرج من أزمة "كوفيد 19" وهي منهكة مالياً بكلف وتداعيات الفيروس على نشاطها الاقتصادي وكذلك بسبب انهيار مداخيلها من مبيعات النفط بعد انهيار الأسعار. وقدّر مصرف "جي بي مورغان"، في تقرير صدر قبل يومين، أن الدول المنتجة للنفط قد تصل خسارتها خلال العام الجاري 2020 إلى نحو 1.1 تريليون دولار.

وبنى المصرف الأميركي حساباته على أساس أن استهلاك العالم من الخامات النفطية ومشتقاتها بلغ نحو 2.2 ترليون دولار. ويتوقع المصرف الأميركي أن يتراجع الاستهلاك العالمي إلى أقل من النصف، كما حسب متوسط سعر برميل برنت بنحو 34 دولاراً.

دلالات

المساهمون