العالم التعليمي أمام هجوم الوباء

29 يونيو 2020
الصورة
تعليم عن بعد (أمين صنصار/ الأناضول)

بينما كان عشرات ألوف الأطباء والممرضين يضحّون بأنفسهم لمواجهة الوباء العالمي في المستشفيات والمراكز الصحية المستحدثة التي ضاقت بالمصابين، وهم في غالبيتهم العظمى كانوا يعانون نقص التجهيزات الملائمة للتعامل مع فيروس كورونا الجديد وحماية أنفسهم، بالمقابل كان عشرات ألوف الباحثين يصلون الليل بالنهار في مختبرات الأبحاث بحثاً عن علاج جديد. لكن هذا هو بعض ما في الصورة، التي كي تكتمل لا بد من العودة إلى قطاع التعليم وكيفية تفاعله مع الوباء، فإذا كانت منظمة الصحة العالمية هي التي تولّت قيادة كبح جماح انتشار المرض، فإننا نجد أن الدور نفسه تلعبه منظمة يونسكو في مجال التعليم. 

فخلال الفترة التي مرت على ظهور الفيروس وإلى الآن، قامت يونسكو بوصفها منظمة أممية قائدة للتعليم والثقافة في العالم بتطوير الأنظمة التعليمية لضمان التعليم الجيّد والشامل للجميع، انطلاقاً من يقينها بأن الشلل الذي أصاب الحياة التعليمية يجب ألا يستمر، وأن مصير البشرية يتوقف على ضرورة تجاوز المحنة بشتى السبل المتاحة. وعليه، فقد وفرت منصة لمناقشة السياسات التربوية، كما جمعت ممثلين عن 72 دولة حضرها 27 وزيراً للتعليم و37 من كبار الممثلين والخبراء في لقاءات افتراضية ناقشوا خلالها إجراءات التعامل مع الفيروس تعليمياً.

شملت الأفكار والمشاريع والمبادرات التي أطلقتها يونسكو للتخفيف من كارثية الانقطاع عن المدارس والجامعات، والتعليم عن بُعد، من خلال الاعتماد على وسائل تقنية حديثة مثل التلفزيون والإنترنت والمنصات الرقمية التي تقدم موارد سمعية وبصرية ورسوماً توضيحية وصوراً متحركة وغيرها، بما يجعل من العملية التعليمية عملية أكثر جذباً كوسيلة للتغلب على مشكلة تعليق الدراسة. على أن ذلك لا يتعلق بالكم، ولكن بالجودة ومستوى التعليم الذي يمكن تقديمه، مع الحفاظ على الوضوح والشمولية، لتبقى هذه الأجيال في صميم الأنظمة التعليمية العالمية، وبما يفتح المجال على تصور طويل المدى يتجاوز الأزمة في لحظتها الراهنة. وخلال العقود المنصرمة رفعت يونسكو شعار التعليم للجميع وتحقيق التنمية المستدامة، ما يعني أن أكثر الدول والشعوب التي تعاني من التخلف والأمية بأشكالها وأنواعها مرهون تقدمها وتنميتها بالتعليم، لكنها مؤخراً ركزت على ضمان أن تؤدي أزمة كورونا إلى تشجيع الابتكار والإدماج وعدم تفاقم انعدام المساواة في التعلم، من مدخل النفاذ والوصول إلى المعلومات، نظراً إلى أن التعليم من دون هذه الجزئية سيظل منقوصاً وقاصراً، وذلك عن طريق الحلول الرقمية والتقنيات المتجددة.

و"التعليم عن بُعد" هو أحد أهداف أو أركان برنامج الأمم المتحدة، بما يتيحه من الوصول إلى المعلومات، لا سيما أنه لم يعد أمراً اختيارياً، بل بات الوسيلة الوحيدة المتاحة بعد قرار إغلاق المدارس والجامعات، وفرض الحجر الصحي، مما تسبب في تعطيل العملية التعليمية. لكن اعتماد "التعليم عن بُعد" لا يعني اكتمال جاهزية العالم والحكومات والمؤسسات والمدرسين والتلاميذ وأولياء الأمور للنهوض بهذه المهمة.



والواقع أن منهج "التعليم عن بُعد" ومع أنه مطروح منذ انطلاقة الثورة الرقمية بهدف الإفادة من هذه النقلة التكنولوجية، إلا أن اعتماده كان متبايناً بين الدول التي تملك الكفاءات والموارد للاستخدام، والدول العاجزة لضعف قدراتها البشرية والتكنولوجية عنه، والتي تبدو الآن مضطرة لمواصلة ركوب هذا المركب الخشن وبالسرعة القصوى.

*باحث وأكاديمي