الطرف الغائب في صراع الخليج العربي

14 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
هناك كمٌ هائل من التحليلات السياسية، لا حدود لها منذ تصفية قائد المليشيات الإيرانية، قاسم سليماني، ثم الرد الإيراني الذي جاء مدوّياً صوتياً، ثم اتضح أنه كان محدوداً للغاية، في نتائجه الفعلية على الأرض كخسائر للأميركيين، أو خسائر لحلفائهم كما هدّدت طهران. ولا يُلام القارئ العربي، حين تزدحم أمامه التحليلات وتخطئ اتجاهها، فالوضع معقّد بالفعل، كما أن اللعبةً تبدو محكمةً للغاية، بين طرفي الصراع، ولسنا هنا نضعها في قالب مؤامرةٍ بحتة، ولكن لعبة مصالح قذرة جداً بين الطرفين، هذه اللعبة الدولية، تنعكس على الأرض، فتتحول واقعاً يفتت الوطن العربي، فهذه اللعبة حدّدت مصير العراق، وأنهت استقلاله ورابطته العربية، بعد إبريل/ نيسان 2003. ولا تستطيع اتجاهات التحليل الجزم حتى اليوم بأن الموقف انتهى بالفعل إلى تهدئة أو تصعيد، فللحسابات الداخلية دور في واشطن وطهران، وسؤال التموضع من جديد، لموقع أفضل من السابق هو أيضاً أحد محدّدات اللعبة، غير أن المشهد المستمر بالفعل يعطي مؤشّراً أن الإستراتيجيات الكبرى بين طهران وواشنطن هي ما يبرز بعد كل جولة تصعيد، تنهك عبره المنطقة العربية، لا في الخليج وحسب، بل في المشرق العربي ككل، وبات للشركاء الدوليين والإقليميين بعد انضمام الصين وتركيا، إضافة إلى أوروبا القديمة وروسيا، حصة أيضاً من استثمار هذا التصعيد المقنن.
ولنلاحظ هنا أن أرض التصعيد تشمل جغرافيا الخليج العربي، من خليج البصرة إلى مضيق هرمز، وضفتي الساحل، والنزف المستمر من مخزون القدرة الذاتية على الصمود دولا أو 
جزءا من أمة العرب، يضرب في بنية أهل الخليج العربي، والابتزاز الغربي المادي الجشع ينهب ميزانية الحاضر ومستقبل الأجيال.
ومع ذلك، الطرف الغائب هو الخليج العربي ذاته، هناك جسمٌ من هذا الخليج يتبنّى الوساطة، كون أن الحرب الواسعة مهدّد يهيئ لسقوط منظومة الدول نفسها، أو زجّها في جحيم الحرب، وهذا تحرّك صحيح، لكن هذه الوساطة يقننها القطبان لمصالحهما، وهو ما يعني أنها وساطةٌ لا تستطيع أن تحقق لجغرافيا الخليج العربي ومستقبله أي ورقةٍ تساهم في تعزيز موقعه، وتحسين ظرفه الأمني القومي.
على العكس من بقية الأطراف التي تستثمر في مثل هذه المواسم التصعيدية، فهي تضيف لها ورقة كل جولة، فيما يستمر الانهيار الذي وصل إلى حد أن مجرّد توقع انسحاب أميركي من المنطقة يشير الى أن إيران ستحل في هذا الفراغ قطعاً، وهو بُعدٌ مهم للرعبين، السياسي والنفسي، اللذين رضخت لهما المنطقة، فهل، يا ترى، كانت الإمكانات معدومة لتحسين وضع عرب الخليج؟
هذا غير صحيح، بل العكس، أثبتت عمليات التدافع الإقليمي والدولي أن التكتل الإقليمي العربي يستطيع أن يصنع فارقاً، وهو فارقٌ مهم، وأن غياب أي تكتلٍ عربي، كما جرى مع سورية والعراق، تحول إلى فراغٍ ساهم في حرب تفتيتٍ قوميٍّ وسياسي بلا نهاية، وهو تشظٍّ في إطار مستمر، يدفع إلى أتون الحرب لصالح هذا الطرف أو ذاك، ولا يكاد الشرق يخرج من غبار المعركة.
لكن، ما هو التكتل العربي الذي يمكن له أن يحقق الحد الأدنى من القوة؟ هل هو مفهوم تحويل الخلاف والصراع السياسي مع الجار الخليجي إلى حربٍ عدمية مفتوحة، تُستخدم عبرها كل الأدوات والإمكانات كما جرى في الأزمة الخليجية، هل هو إسقاط الحد الأدنى من التنسيق 
الجمعي لمواجهة التحدّيات، هل هو تحويل الشعوب إلى سكان ضيوفٍ يوزّعون على الفنادق ودرجات نجومها، بحسب التقييم الأمني، من دون دستور فاعل، ولا برلمان مستقل، ولا حتى مساحة حرّة لمجتمع مدني. وأين الصالح في تورّط أطراف الخليج العربي بإدارة صراعات وتغذيتها، بناء على مصالح اقتصادية أو سياسية أو تنافس بينهم، ثم الاصطفاف بدعم هذا الطرف أو ذاك لأجل أن يعرقل الطرف الآخر؟ ثم ماذا؟
نزف في الأرض العربية، من دون مصالح تُذكر للنفوذ الخليجي العربي، فبقاء نظام عبد الفتاح السيسي في مصر، بسلطته القمعية المطلقة، لم يحقق أي توازن لصالح عرب الخليج الذين دعموه، بل العكس، ازدادت مساحة السوء والتصدّع أمام لعبة طهران وواشنطن. وما هو المفيد من استمرار الحرب الأهلية الليبية؟ ماذا لو كان الخليج العربي متحداً لوقف انهيار ليبيا، والاتفاق على شركة نفط موحدة، باسم مصالح الشعب الليبي وشركائه الخليجيين، لكن فوق قاعدة احترام ليبيا وقرارها وسلامة شعبها؟ ماذا لو تحوّل الموقف من الملف المصري إلى دفع نظام السيسي إلى إصدار قرارات إفراج وإطلاق للحياة السياسية تحت سيطرة مرنة، وعلى 
الأقل تنتقل مصر من حالة النزاع الأهلي إلى السلام الاجتماعي، وسيفرز الشعب من يريد على مستوى المجتمع والتدافع المدني، وتترك مصر للتنفس عربياً، وإنْ بقي السيسي جاثماً على صدرها، حتى يتخذ الشعب مساره.
ما الذي جناه الخليج من الصراع على سورية، بالاتفاق مع تركيا أو ضدها؟ ما هو المآل الذي تعيشه سورية اليوم، وشعب الثورة، وما هي مصالح الخليج العربي من ذلك؟ ماذا لو اتفقوا على ضمان منطقة آمنة يؤمّن بها اللاجئون، ويكون التعاون مع تركيا ليس لأجل حساباتها مع موسكو وطهران التي أسقطت الثورة السورية. ولكن لإيجاد مخرج أمان لمصالحها، لأجل ما تبقّى من هذا الشعب، وأن يكون للسوريين راحلة أمل وبقية حلم يشارك فيه الخليج إيجابيا، وتتحول العلاقة مع تركيا لقواعد المصالح المشتركة، لا المفهوم العثماني الانتهازي الذي يروجه بعض الإسلاميين؟
هل كانت هذه الدول عاجزة عن تأمين قوة تدخل للحماية القومية، لا قمع شعوبها، من 30 ألف مقاتل، كان من الممكن أن يكون قاعدة ضغط من دون حروب، تدعم التوازن أمام اللعبة الأميركية الإيرانية، والسلام في اليمن وفي العراق، كلا لم تكن، وإنما العجز في الإرادة والنية الفاسدة.