الطاعون في الأندلس... ثلاث رسائل

28 مايو 2020
الصورة
(بوابة مدينة الزهراء الأندلسية)

لعبت الأوبئة دوراً كبيراً في ضعف وانهيار الدول خلال التاريخ الإسلامي، إذ يشير عدد من الباحثين إلى أن الطاعون كان أحد أسباب سقوط الأمويين، وقد ساهم المرض ذاته في ضعف الحكم في الأندلس واستغلال فترات وقوعه من قبل الممالك الإسبانية لتتقدّم بجيوشها في مرات عدّة.

وفي الوقت نفسه، تُبرز العديد من المصادر التاريخية تطوّر علوم الأمراض لدى الأندلسيين قياساً بالمشرق، حيث وضعوا العديد من المؤلّفات حول وباء الطاعاون وأسبابه وأنواعه وطرق انتقاله بالعدوى، كما أولوا أهمية كبرى للوقاية وأساليبها، وسجّلوا العديد من حالات المرضى وأوصافها.

من أبرز تلك المؤلّفات رسالة "تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد" للطبيب ابن خاتمة (1333 - 1396)، و"مقنعة السائل عن المرض الهائل" لابن الخطيب (1313 - 1374)، و"تحقيق النبأ في أمر الوباء" لمحمد بن علي اللخمي الشقوري (1326 - 1374) والتي حقّقها محمد حسن في كتاب "ثلاث رسائل أندلسية في الطاعون الجارف" صدر عن "المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) منذ أربع سنوات، ويعرض حديثاً على منصّاته الإلكترونية.

الكتاب يؤرّخ للطاعون الذي حلّ بين سنتي 1348 و1349، وفتك بالآلاف في مناطق عديدة من العالم مثل شبه الجزيرة الإيبيرية وبقية أوروبا وبلدان المغرب، ووصفه ابن خلدون بقوله "وذهب بأهل الجيل وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، جاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وقل من حدها وأوهن من سلطانها وتوادعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتفض عمران الأرض انتفاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل..".

الرسالة الأولى كتبها ابن خاتمة أستجابة لرغبة أصدقائه بعد ظهور الطاعون في مدينة المرية الأندلسية، أما أبن الخطيب فقدّم في رسالته الثانية مجموعة من الأرقام من بينها عدد الضحايا، حيث يشير إلى وفاة أربعة آلاف شخص في يوم واحد في مدينة فاس المغربية، وفقدت رسالة الشقوري ولم يصل منها سوى ملخص بعنوان "النصيحة" قدم فيه طرق الوقاية من الطاعون.

تقف الرسائل الثلاث عند تشخيص المرض ومفهوم العدوى وكيفية عزل المرضى والتخلص من الثياب الموبوءة، كما يوضّح المحقّق كيف أثار الطاعون جدلاً واسعاً في الأندلس بعد ارتفاع أعداد المصابين به، حيث تضاربت مواقف المجتمع بين المقاومة أو الاستسلام، وسادت بين العامة العديد من التفسيرات الغيبية، مقابل تفسير علمي تبنّاه العديد من أطباء ذلك العصر وكتّابه.

تعليق: