الضبط الاجتماعي لتغطية الفشل

27 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
في كل أزمة كبرى، تجد السلطات المدخل لتأكيد وجودها وسطوتها وإنتاج ذاتها من جديد، حتى عندما تتحمّل هي مسؤولية الأزمة، فهي تجد في الأزمات الفرصة المناسبة لإنتاج مزيد من الإخضاع للجمهور، عبر الضبط الاجتماعي وفق تعليماتها. ولا يخرج تعامل السلطات مع أزمة تفشي فيروس كورونا عن هذه الآلية، سواء وفق سياسة التضحية بالمسنين لاستمرار دورة عجلة الاقتصاد، لأن من سيموتون من الركود أكثر ممن سيموتون من الفيروس، حسب منطق الإدارة الأميركية في ظل رئاسة ترامب. أو حسب السياسة المعتمدة في السويد، والتي تدّعي أن إدارة البلد في ظل الأزمة باتت بأيدي خبراء الأوبئة والصحة، ما يعني التنصل من أي مسؤولية، وضبط المجتمع بتعليمات السلطة المستندة إلى الخبراء، لأن السويديين أكثر شعوب العالم التزاماً بتعليمات السلطات ونصائحها. والسؤال في هذه الحالة: هل انتخب الناس الخبراء ليديروا البلد، أم انتخبوا السياسيين الذين يتحمّلون مسؤولية إدارة الأزمة بفعل عملية التكليف الانتخابي؟ والخبير، سواء فشل في مهمته أو نجح، هو لا يخضع لاختبار الانتخابات في الجولة المقبلة. هو موظف وليس قائداً سياسياً، لذلك لا يجوز للسياسي الاختباء وراء الخبير. وما بين النموذجين، الأميركي والسويدي، لا يختلف سلوك الدول الأخرى في فرض الضبط الاجتماعي، بدءاً من آلية الضبط عبر ضرب المخالفين بالعصي، كما في بعض دول الجنوب، أو الضبط عبر القوى الناعمة، في دول الغرب الأكثر رفاهاً.
حتى يكون الضبط الاجتماعي أكثر فعاليةً، يمكن اعتماد سياسة التخويف، أو إنتاج الهلع. وهذه 
الآلية التي تم اعتمادها من السلطات باستخدام وسائل الإعلام، وزادت وسائل الاتصال الاجتماعي الوضع السيئ سوءاً. وبناء على هذا الخوف والهلع، تمت صياغة سياسات الضبط الجديدة للجماعة البشرية، على اعتبار أن هذه السياسات ردّ على تعرّض البشرية لوباء فيروس كورونا، فنحن نرى كيف يضعف الهلع المواطن ويقوّي السلطات.
في ظل الأزمة، يتجنب كثيرون التعرّض لسؤال، لماذا وصلنا إلى هنا؟ لأنهم يعتقدون أن المطلوب اليوم فعل شيء في مواجهة الفيروس. ماذا نفعل؟ وفي هذا الإطار، نجد الدول تعود إلى سياسات البلطجة والرشوة. البلطجة بسرقة دول معدّات طبية لمواجهة الفيروس تعود لدول أخرى، أو برشوة شركات تصنيع المعدّات الصحية، بشراء طلبات لدول أخرى بأسعار أعلى، أو بشراء دول غنية معدّات دول فقيرة. أو بتوظيف أجهزة المخابرات للاستيلاء على معدّات لدول أخرى. أو بسرقة أطباء الدول الأخرى، كما فعلت الولايات المتحدة بفتح الباب لاستقدام أطباء وعاملين في القطاع الطبي من الدول الأخرى، بتسهيلات وإغراءات مالية، بعد سياسة هجرة مخزيةٍ أقدمت عليها إدارة ترامب منذ استلامها السلطة... إلى غير ذلك كله من سلوكيات دول تذكّر بالعصابات، لا بالدول. أكثر من ذلك، عبّرت دول في الاتحاد الأوروبي، في هذه الأزمة، عن أنانية ووحشية ليس تجاه دول الجنوب فحسب، بل وتجاه دول شريكة لها في الاتحاد الأوروبي، إذ رفضت دولٌ مثل ألمانيا وهولندا مساعدة الدول الأكثر تضرّراً في أوروبا، إيطاليا وإسبانيا، وتركتها لمصيرها، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإيطالي، جوسيبي كونتي، إلى التشكيك في جدوى الاتحاد الأوروبي وبقائه بعد أزمة كورونا. كان إعلان التخلي عن الدول الأكثر تضرّراً في أوروبا واحداً من السلوكيات التي كشفتها أزمة كورونا، من عدم التضامن مع مواطني الاتحاد، في وقتٍ كان المواطنون 
يموتون في إيطاليا وقفت الدول الغنية في الشمال تتفرّج على المأساة الإيطالية، من دون أن تقدّم أي بادرة تضامن معها. قبل أن تعود المفوضية الأوروبية عن السياسة الأنانية باعتذار علني من إيطاليا.
السؤال الصحيح الذي يجب أن يُطرح هو استعداد النظم السياسية القائمة المسبق لمثل أزمةٍ كهذه؟ أدارت السلطات الأزمة على قاعدة تخفيف الضغط على النظام الطبي في البلد المعنى. ولكن أحداً لم يسأل: لماذا لم تكن هذه الأنظمة مستعدة لخطرٍ مثل هذا؟... قبل أيام، كتب جورج مونبيوت مقالاً في صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان "ماذا يعني الدفاع الوطني في أثناء وباء؟ هذا ليس وقت شراء طائرات مقاتلة"، يقول "نحن ندافع عن أنفسنا ضد التهديدات الخطأ. لعقود، كانت حكومات المملكة المتحدة تخوض ليس فقط آخر الحروب، ولكن فكرة حربٍ لا ضرورة لخوضها تُنفق فيها مئات المليارات لمواجهة مخاطر متخيلة. في الوقت نفسه، وكما أصبحنا على وعيٍ بشكل مروّع خلال الأسابيع القليلة الماضية، فإنهم تجاهلوا الأخطار الحقيقية والملحة". ويضيف "قبل شهر، وبالضبط بينما بدأ فيروس كورونا الانتشار عبر المملكة المتحدة، فاخرت الحكومة بأنها رفعت الإنفاق العسكري بمقدار ملياري جنيه إسترليني إلى 41.5 مليار جنيه إسترليني. وزعمت أن قوتها العسكرية على "رأس رمح بريطانيا العالمية الصاعدة"". وتساءل الكاتب عن معنى سعي بريطانيا إلى الحصول على طائرات مقاتلة متطوّرة، قائلاً "هل تستطيع قصف فيروس كورونا؟".
نستطيع أن نفهم أي معركة خاسرة تخوضها الدول ضد فيروس كورونا، عندما نعرف، على الصعيد العالمي، أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تقول بوجود نقص في الأطباء والممرّضات وغيرهم من العاملين في قطاع الصحة يقدر بـ 4.3 ملايين على مستوى العالم. ولا يقتصر هذا النقص على دول الجنوب التي تُعاني نقصاً حادّاً في هذا القطاع، بل يشمل هذا النقص حتى دولاً مثل السويد، طبعاً ليس بالحدّة ذاتها، عداك عن نقص المعدات. ففي وقتٍ تملك هذه الدول قدراتٍ عسكرية ضخمة لا لزوم لها، لا تملك المعدّات والكادر الطبي اللازم لمواجهة فيروس.
في ظل هذا النقص الحاد، ليس غريباً أن تقدم السلطات في العالم على إنتاج الهلع للسيطرة
 على الجموع والتغطية على تقصيرها، فحماية البلاد وأمنها لا تكون على المستوى العسكري فحسب، فحمايتها وأمنها بفعالية نظامها الصحي في حماية المواطن أيضاً. وفي هذا الاختبار، فشلت جميع الدول، ما يشكّك في أولوياتها وقيمها ومكانة الإنسان فيها.
كان من غير الأخلاقي في هذه الأزمة أن يُناقش من سيستفيد من جهاز التنفس، ومن سيترك لموته من دون رعاية طبية، عندما يكون عدد المرضى أكبر من عدد المنافس، بأولوية الشباب على المسنين. ما جعل كبار السن الذي بنوا العالم الذي نعيش فيه يشعرون بأن العالم يتخلّى عنهم، ويدفعهم إلى موتهم، بدل أن يفعل كل شيء من أجل الحفاظ عليهم. النقاش المستقيم هو بتحديد المسؤول عن عدم حصول الجميع على الرعاية الصحية، حتى في لحظات الذروة. حكمت السلطات على المواطنين بالحبس بجريمةٍ ارتكبتها هي، وحتى لا يظهر عجزها وتقصيرها، في الأزمة، حوّلتها إلى حالة رعب للسيطرة على المواطنين، لمعالجة خللٍ من صنعها.