الصيام وشروط البشرية

15 مايو 2020
الصورة
تخبرنا الفيلسوفة، حنّة آرندت، أنّ وجود الإنسان على وجه الأرض مشروطٌ بشروطٍ كثيرة، لا بدّ من استيفائها لإدامة الوجود البشري على وجه الأرض. أوّلها وأبسطها شرط الحياة نفسها بما يشمل جميع الأنشطة الإنسانية الموجهة لحفظ العمليات الحيوية. تشمل هذه العمليات "حفظ الجسد" الذي غذاؤه الطعام والشراب، و"حفظ النوع البشري" الذي سبيله التزاوج والتناسل. 
يبدو هذا الكلام بدَهيًّا؛ إذ كيف يغفل البشر عن أنّ أوّل شروط وجودهم هو "حفظ الحياة" و"حفظ النّسل". ولكن يبدو أنّ الإنسان تصيبه الغفلة، فيُنَسّى أنّ معظم نشاطاته وأفعاله، في الحقيقة، تتّجه إلى حفظ أُسِّ وجوده، أي حفظ جسده ونوعه. وقد بنت الفيلسوفة حنّة آرندت نظريتها عن شروط الوجود البشري في كتابها المترجم إلى العربية حديثًا "الوضع البشري" على تمييز الشروط "الضرورية" للبقاء البشري، والتي أجملتها في ثلاثة: الحياة، و"العالَم الإنساني" الذي يعني أنّ البشر لا يعيشون في الطبيعة مباشرةً مثلما يعيش الحيوان بل يعيشون في عالَمٍ مخصوص من صنعهم مهما بلغت بساطته، وشرط "الجماعية" الذي يعني أنّ الإنسان لا يستطيع تسديد احتياجاته منفردًا، فلا يمكنه العيش وحدَه، بل يعيش في جماعات أو مجتمعات.
وما يعنى به المقال هنا هو شرط الحياة المرهون بالغذاء والتناسل؛ وهو المتعلق مباشرة بالصيام. ويشير عبد الكريم بن إبراهيم الجيلاني الصوفي (ت 832 هـ/ 1428م) في كتابه "الإنسان الكامل" إلى معنى قريبٍ من فكرة "الشروط البشرية"، حيث يسمّي اعتمادية الإنسان على الغذاء شرطًا لإدامة وجوده بـ "المقتضيات البشرية"، يقول: "وأمّا الصّوم فإشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية، فيتصف بصفات الصمدية، فعلى قدر ما يمتنع (يصوم) عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه". والمقتضى البشري هنا هو الاعتماد على الغذاء في 
البقاء على قيد الحياة، والصمدية هي صفة للذات العليّة، لله جلّ جلاله، والتي يتصف بها الصائم مدّة مؤقتة حتى يفطر. وإذا طالت مدة الانقطاع عن الطعام والشراب، ووصل الإنسان إلى الجوع، تجلّت "مخلوقيته" جلاءً تامًا. وفي هذا المعنى، يقول الشيخ محمد عيد يعقوب الحسيني (1936 - 2020): "عندما خلق الله النفس، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت أنت وأنا أنا، ولم تعترف بربوبيته، فسلّط عليها أشياء كثيرةً فلم تعترف، فسلّط عليها الجوع فجاعت، ثمّ قال لها: من أنا؟ قالت: أنت الخالق وأنا المخلوق. فمن هنا كان الصيام قربة إلى الله تعالى".
عبادة الصيام تعني الانقطاع التامّ عن شروط الحياة أو شروط المخلوقية، أي عن الغذاء والعلاقة الزوجية، مدة محدّدة ومعلومة، أي الانقطاع عمّا يستحيل الانقطاع الطوعي عنه أبدًا، والذي إذا حدث جبرًا لمات الإنسان جوعًا وعطشًا. وقد يكون هذا المعنى من ألطف الحِكَم التي يمكن استخلاصها من التأمّل في معنى الصيام، بخلاف الحِكَم الأخرى التي تشير إلى تعليم الإنسان الانضباط وتهذيب النفس وتقليل شهوة الطعام والشراب وتوكيد الروابط الاجتماعية، فعادةً ما يغفل النّاس عن معنى أساسيٍّ وبسيطٍ جدًا، أنّ مُطلَق الوجود البشري يحتاج لإدامة الجسد وإدامة النسل، فالصيام يوقظ الإنسان من غفلة الاعتياد وضمان الحال، ليشير إلى هذه النعمة الأساسية، وهي نعمة الحياة وإدامتها. ولذا هو يقود الإنسان إلى اليقظة وإدراك هذه الحقيقة الأساسية، عبر توجيهه "الإمساك" الطوعي الاختياري عمّا يقيم جسده ويحفظ نوعَه.
وإذا تيقظ الصائم، وأدرك هذه الحقيقة البَدَهيّة، فقد يساعده ذلك على تقدير نِعَمٍ أخرى تبدو بدهيةً كذلك، بل وقد تشير إلى تقدير من ترتبط حياته وتُسخّر لإدامة هذه النِّعم. وأولى هذه النعم نعمة 
الطبيعة التي لم تُخرّب في التاريخ مثلما أصابها الخراب في عصرنا الحديث، فالإمساك الطوعي عن الشراب قد يشير إلى الانتباه إلى ضرورة الحفاظ على نعمة الموارد المائية، والإمساك الطوعي عن الطعام قد يشير إلى الانتباه إلى ضرورة الحفاظ على نعمة الزراعة، بل وتقدير المزارع الذي يُسخّر حياته لإطعام غيره. والإمساك الطوعي عن العلاقة الزوجية قد يعين على تقدير نعمة الزواج والأولاد، بل وتقدير حياة نساء كثيرات تُسخّر حياتهنّ لإدامة نعمة النسل فقط. فـ"تعظيم النِّعم" وتقدير واحترام من تُسَخّر حياته لإدامة هذه النعم قد تعني حكمة كبيرة من حكم الصيام إذا تيقّظ إليها الصائم.
مِن الحكم الخفية التي يشير إليها الصيام كذلك، الإشارة إلى احتمال حدوث خبرة شبيهة بالصيام، جبرًا وليس طوعًا، فالانقطاع عن الطعام والشراب قد يحدث على نحوٍ جبريّ في الخبرة الإنسانية. ومثال ذلك خبرة الحصار التي تحدث في الحروب، والتي قد تؤدي، بالفعل، إلى منع وصول الغذاء عن سكان مدينةٍ ما أو قريةٍ ما، فقراءَ كانوا أم أغنياء. وقد حدث هذا في عصرنا الحالي في أعوام حصار المدن السورية وبعض المدن اليمنية. ومن هنا، يأتي تأكيد معنى التضامن الذي يرسّخه الصيام في النفوس كذلك.
للصيام إذن حِكم جليلة وجميلة، تذكّر الإنسان بحقيقة مخلوقيته ومشروطية وجوده، وتذكّره بواجبه نحو غيره إذا ابتلوا بالجوع القسري، وتجعله يتشبه بصفات الصمدية مدة معلومة، ليسّلم بعد ذلك ببشريته ومخلوقيته البدهيّة.