الصومال والأفق السياسي المشوش

14 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يأخذ التراشق الإعلامي ومعه الخلافات السياسية الحادة بين السياسيين الصوماليين، أحزاباً وحكومات، منحى تصاعدياً، في انتقادات شكلية أو جوهرية أحياناً. ولكن هذا الخناق السياسي يتطور أحيانا إلى تهديد مبطن وصريح، ومن ثم إلى فلتان سياسي يهدّد استقرار النظام أمنياً وسياسياً. وكانت مؤشرات كل فترة من فترات الحكم في البلاد توحي بأن تدهوراً حادّاً أو انسداد أفق يجر البلاد إلى قعر الفوضى السياسية والأمنية. 
قياساً على التجارب السياسية المريرة التي شهدها الصومال، تعكس التوترات السياسية، ومعها التراشق الإعلامي الحاد، بين المعارضة والحكومة الصومالية الفيدرالية، فشلاً، وغياب تجانس بين الحكومة ومنتقديها، فالخلافات تتسع ومساحة الانفتاح تضيق مع كل فترة تتقدم فيها البلاد نحو موعد الاستحقاق الانتخابي في العام المقبل (2020). وتثير تصريحات المعارضة السياسية زوبعة إعلامية، إلى درجة أنها تستنجد بحربٍ أهلية اكتوى بنارها القاصي والداني، إلى جانت دعواتٍ غير مباشرة إلى إسقاط النظام الحاكم، وهو ما يعبر عن فوران سياسي يسيطر هاجسه على أعضاء من المعارضة، وذلك بعد قراراتٍ أشبه بالاستفزازية، اتخذتها السلطات الصومالية لمنع وفود من المعارضة لزيارة مدينة بلدوين، وسط البلاد لتنفيذ برامج إغاثية، وهو ما أدى إلى غضب سياسي عارم، يتردد صداه في آذان الصوماليين وأذهانهم.
من الحكمة التريث وعدم الاستعجال في إطلاق التهم جزافاً سواء من الحكومة الفيدرالية 
والمعارضة، ولكن رد الحكومة للرئيس الأسبق، شريف شيخ أحمد، عن خطابه الناري، وتلويحه باسقاط النظام، كان أيضاً يثير قلقاً، ويعبر عن ردة فعل رسمية، على الرغم من أنه أقصر مدةً وأوضح، لكنه حمل رسائل تهديدٍ من نوع آخر، وهذا من باب "لكل فعل له رد فعل مساوٍ في الإتجاه".
ليست المعارضة جُرماً، بل هي وظيفة سياسية يبقى جزؤها المعتدل المرن في توجيه بوصلة النظام الرسمي على نحوٍ يخدم البلاد والعباد. وفي الوقت ذاته، ليست سلاحاً يشهر في وجه الدولة، لتهديدها بالسقوط أو منح امتيازات للمعارضة. وفي بعض الدول العربية، تعد "المعارضة" جريمةً لا تغتفر وحقاً مغيباً، فإما أن ترضخ للنظام أو أن تتعفّن في غياهب السجن، أو موت سريري بطيء. ولكن بحكم المشهد السياسي والقبلي، وفترات أليمة مرّ بها البلاد، ليست المعارضة السياسية مكبلة بقيود تذكر. وفي المقابل، ليس من حق الحكومة الفيدرالية، وخصوصا الرئاسة الحالية، تجريم حق سياسي تتغنّى به بالأمس القريب، فالرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، كان من المعارضين، وفي مقدمة الصفوف لتوجيه الانتقادات شديدة اللهجة في فترة حكم الرئيس السابق حسن شيخ أحمد، الذي اتسمت فترته في التعاطي مع ملف المعارضة بشيء من الحنكة والهدوء، وهو يستغرب اليوم تصرّف الحكومة في إدارة ملف المعارضة، فضلا عن العلاقة بين الطرفين التي تتسع هوتها نحو السلبية يوماً بعد آخر. كما أن خطابات الرجل هادئة نوعاً ما مع اختلافه الكلي مع الرئاسة الحالية في قضايا مصيرية عدة.
يتمثل أخطر تهديد لمستقبل المعارضة المرحلي في تجذّر قناعة راسخةٍ مفادها بأن حكومة مقديشو لا تنوي إجراء انتخابات رئاسية في موعدها المحدّد، بل تريد ممارسة انتخاباتٍ صوريةٍ يشاركها مقترعون منتقاة من أحياء مقديشو، وهو ما يشقّ طريقاً غير ديمقراطي للصومال، بينما الحكومة الفيدرالية لا تبذل مقدار جهدٍ حتى لو كان ضئيلاً، لتبديد مخاوف المعارضة بضماناتٍ رسمية، لتنظيم الانتخابات في موعدها، كما أن ما يجري على أرض الواقع من غياب الاستعدادات، وتنظيم المؤتمرات لبلورة سير عملية الانتخابات المقبلة. وتعزز كل هذه المعطيات فرص المعارضة وأوراقها الضاغطة ومواصلة انتقاداتها ليل نهار، فليس الصمت في هذا التوقيت في قضايا حسّاسة لصالح الحكومة الفيدرالية. وهذا يتطلب توفير القناعات لدى الشارع المحلي أولاً والسياسي، لتجد من يناصرها وينصفها على الأقل، في صراعها العلني مع المعارضة. وهذا السكوت دليل على إمكانية تحقق نبوءات المعارضة، ومضاعفة نهج الانتقاد عليها "لأن الصمت علامة الرضا".
تعد الديمقراطية في الدول ما بعد الحرب الأهلية طبقاً معقداً ليس سهل الهضم، حيث تفتقد للمعايير 
وأدوات ضبط ايقاعات الخصومات السياسية، وتشتد ضراوتها أيضاً في حال غياب القوانين التي تفصل الصلاحيات وتحدّد الواجبات والحقوق، ولكن دستور الصومال ما زال غير مكمل، واستكمال بنوده صعبة أيضاً، في ظل عدم توفر سلطة رسمية تلزم الفيدراليات على تطبيق هذا الدستور، كما أن غياب الوعي لدى شرائح المجتمع الصومالي، وخصوصا الطبقة السياسية عامل آخر يهدّد كيان الدولة واستقرارها وسيادتها.
إذا، ليست المعارضة السياسية غاية ميكيافيلية في جوهرها ومفهومها أو أداة لتحقيق أجندات شخصية، أو مصالح فئة حزبية على حساب المصلحة العليا، بل هي تتمثّل في الإصلاح السياسي البناء، فمتى كثرت تلك السياسة الإصلاحية تتطور الحياة السياسية، بينما الغوغائية في التمثيل السياسي لأي شعبٍ ما تتحوّل معول هدم للدولة، وسوس ينخر مفاصلها من الداخل، وتلك مشكلة لا يستطيع الصومال تحمّل وزرها وأعبائها الثقيلة، وتبقى الحريات السياسية والإعلامية مكفولة في مواثيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
3F6C2AC1-09AD-4357-AA15-D946B74B0C95
الشافعي أبتدون