الصومال... جوعٌ إلى الأمن والخبز

11 اغسطس 2016
الصورة

لاجئون صوماليون في مخيم في إثيوبيا (26 يونيو/2016/Getty)

لم تتوقف أخبار الموت في الصومال، حتى تأتي أخبار متجدّدة، أخيراً، عن مواجهة 50 ألف طفل الموت، بسبب الجفاف هناك. ومتى كان الصومال بعيداً عن مواجهة الموت؟ فهذه الدولة الأفريقية العربية التي صمدت، حتى إلى وقت قصير، حين اعترت التغييرات دول المنطقة على مستوى الثقافة والهوية ونموذج الدولة، تقف الآن مثالاً بائساً في وجه التدمير، بفعل أبنائها والطبيعة.
أصبحت الصومال أسوأ نموذج أفريقياً وعربياً، تمزّق فيها كيان الدولة، وتناثر تكوين المجتمع، وأضحت مضرب المثل للمأساة في أبشع صورها من جوع وفقر ومرض، بالإضافة إلى انهيار أركان الدولة. ونتيجة حتمية لكلّ ما سبق، برز أسوأ نموذج يمكن أن تقدمه الصومال، ليس لأفريقيا والعالم العربي فحسب، وإنّما للعالم أجمع، وهو نموذج الجوع الذي أخذ يفتك بالدولة منذ بدايات حرب الصومال الجديدة في العام 2009، وظهرت نتائجها المدمرة في العام 2010. وبقيت بالتالي (الصوملة) المرادف والتشبيه لهذا النموذج في وجهٍ لا يقلّ بشاعة عن المشبّه به.
ينام العالم ملء جفونه، وبأثقل ما يمكن أن تستوعبه بطون ساكنيه من لذائذ الطعام والشراب، وبأقصى ما تستطيع أن تصوره أحلامه الشرِهة في طلب مزيدٍ من كل شيء وبكل الوسائل، ولا يستيقظ ضميره، بل يرتعش برهةً جفنه، بعد صدور التقارير المتواصلة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تحكي عن حجم الكارثة. ما أشبه تقارير هذا العام بتقارير عام 2009، والتي أعدتها منظمة الأغذية والزراعة (فاو) و"شبكة نظم الإنذار المبكّر بشأن المجاعات"، فقد كان مضمون تلك يأتي في إفاداتها بأنّ المجاعة وانعدام الأمن الغذائي تسبّبا على نحوٍ خطيرٍ بوفاة 133 ألف طفل دون عمر الخامسة، وأنّ حصيلة ضحايا الأزمة الغذائية في الصومال هم 4.6 في المائة من إجمالي السكان، و10 في المائة من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات لقوا حتفهم في جنوب الصومال ووسطه. بمعنى آخر، أكد ذاك التقرير أنّ حوالى 258 ألف صومالي نصفهم من الأطفال، قضوا جوعاً بين أكتوبر/تشرين الأول 2010 وأبريل/نيسان 2012 في أزمة غذائية خطيرة ضربت هذا البلد.
حدثت المجاعة بسبب موجة جفافٍ قويةٍ ضربت المنطقة. ولكن، لم تكن العوامل الطبيعية
وحدها التي فاقمت منها، وأوصلتها إلى هذه المرحلة، فالأمر أكبر من مجرد ظاهرةٍ طبيعية، إنّها إخفاقاتٌ سياسيةٌ وعنف وصراع كارثي فشلت معه الدولة الهشّة في إشاعة الأمن، فأصبحت الصومال، حين يُشار إليها، ذلك البلد القريب جغرافياً، البعيد بسبب مآسيه وعزلته. كما أنّها أسباب نابعة عن أخطاء البشر، ونزعتهم الوحشية إلى العنف والاحتراب. وقد ساهم في تفاقم هذه الحرب اشتعال النزاع المسلح وتواصل الحرب الأهلية، في دورتها الثانية، بين جماعاتٍ مختلفةٍ، فيما تعرضت أكثر أقاليم الصومال إلى تلك المجاعة، وهي مناطق تقع تحت سيطرة حركة الشباب الإسلامية، التي أعاقت وحظرت عمل منظمات الإغاثة الدولية، والغربية بالذات، لتنتشر المأساة في مناطق أخرى.
كانت البداية في يناير/ كانون الثاني 2009، حين انسحب الجنود الإثيوبيون من الصومال، وتركوا وراءهم وحدات الاتحاد الأفريقي بآلاف الجنود، لتساعد الحكومة الائتلافية الضعيفة على فرض سلطتها. بعد انسحاب إثيوبيا من الصومال، سقط النصف الجنوبي من الدولة بسرعةٍ في أيدي حركة الشباب الإسلامية، لتبقى عدة مناطق رئيسية تحت سيطرة الحكومة الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي. وبعد مهاجمة العاصمة مقديشو، استولت الحركة على معظم المدينة، لكنها فشلت في إسقاط الحكومة التي بقيت تسيطر على بضعة كيلومترات منها.
حالة الفوضى الأمنية وفقدان المؤسسية هي التي أطّرت أزمة الصومال، وضاعفت من حجم المأساة، وحوّلت الأزمة من أزمة جفافٍ، يمكن درء بعض مخاطره بالمساعدات الإنسانية، حتى تسترد الدولة عافيتها إلى كارثةٍ إنسانيةٍ، أعيت المنظمات الدولية، وأعجزتها عن مجرد توصيل الإغاثات إلى مستحقيها.
أضعفت حركة الشباب الإسلامية من فعالية مجهودات القوى الدولية المانحة، وأهدرت كثيراً من فرص الإغاثة الدولية التي كانت الحركة تقابلها بإنكار المجاعة من أساسها. أما عربياً فهناك بضع حملات من دول الخليج، مع الغياب على مستوى التعاطف، أو المساهمة الفعلية لبقية الدول العربية والإسلامية. ووسط هذا الفراغ، ظهرت الحاجة إلى الدعم على مستوى الدولة لأكثر من ذلك في أزمة دامت عشرين عاماً، وألقت ظلالها السالبة على المشهدين، السياسي والثقافي، لدول القرن الأفريقي.
والآن، بعد أن كانت الدولة تعدّ العدة لإجراء الانتخابات المتأخرة عقوداً، أعلنت الحكومة الصومالية وبرلمانها عدم إمكانية تحقيق ذلك. والحكومة الفيدرالية هي لأرض الصومال أو الدولة الأم، قبل أن تنفصل ولايات منها، وتعلن حكمها الإداري، بل تدخل في نزاعات مثل ولاية بونت لاند التي أطلقت، أخيراً، تحذيراتها إلى إدارة أرض الصومال، حول ما سمته استفزازاً تقوم بها قواتها في إقليمي سول وسناج المتنازع عليهما بين الطرفين. كما أعلنت الولاية عدم استعدادها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية التي كان من المفترض إجراؤها الشهر الجاري.
فأية إجراءاتٍ لتحقيق الديمقراطية يمكن أن تتبعها الحكومة الصومالية، إذا كانت القضايا الماثلة من تقسيم البلاد والمصالحة، الاقتصاد السيىء والعطالة، ومحاربة حركة الشباب، يُضاف عبؤها إلى قضيةٍ أكثر تهديداً للحياة، وهي الجوع.