الصناديق الإيطالية تغير موازين القوى: اليسار يتراجع والشعبويون يتقدمون

05 مارس 2018
الصورة
زعيم حزب النجوم الخمس لويجي دي مايو(سلفاتور اسبوزيتو/Getty)
+ الخط -
يبدو أن نتائج الانتخابات التشريعية الإيطالية ذاهبة نحو تغيير في توازن القوى على الساحة السياسية. فالتصويت الاحتجاجي على سياسات الحكومات المتعاقبة والأحزاب التقليدية، في طريقه لمنح جناح سياسي احتجاجي مكانة لا يمكن تخطيها، فيما يظهر تقدم التيار الشعبوي الخطر المحدق بمؤسسة الاتحاد الأوروبي.

وواضح أن حزب "النجوم الخمس"، الذي بدأ كحركةٍ اجتماعية احتجاجية، يتجه نحو ترسيخ شعبوية احتفى مبكراً بتقدمها الكاسح مع "الرابطة". أما البرامج والوعود والخطابات فقد صرفت اليوم في نتائج الصناديق، التي وضعت يمين ويسار الوسط في مأزق، كما عمقت القلق الأوروبي، لتوسع الشعبوية أولاً، وللخشية من انعكاس غياب الاستقرار في منطقة اليورو، في هذا الجو الإيطالي العاصف، مع تكهنات غياب حصول أي معسكر على الأغلبية.

ويبقى الثابت، بحسب ما تذهب إليه مواقع الصحف الإيطالية، صباح اليوم الإثنين، أن الجو "مشحون بالشكوك". بتصويت واحد من كل ثلاثة إيطاليين لحزب "النجوم الخمس" الشعبوي، وذهاب "الرابطة" لتزعم ائتلاف اليمين، ووضع "فورزا إيطاليا" وسيلفيو برلسكوني في مأزق، تكون إيطاليا "جامحة" غير قابلة للحكم، بحسب ما عنونت "لا ستامبا" واسعة الانتشار على صفحتها الأولى.

هذا الجموح بتقدم الشعبوية المتطرفة، الذي رأت فيه صحيفة "كوريري دي لا سيرا" ما معناه "مكانك راوح"، سيجعل تشكيل أي حكومة مقبلة أمراً معقداً في حسابات النتائج.

ويبدو أيضاً أن هذه النتائج المرعبة للباحثين عن استقرار سياسي وحكومي في روما، هي "فوضى بالتأكيد"، بحسب صحيفة "ال تيمبو" على صفحتها الأولى، مع صورة سيدة نصف عارية على طاولة، حيث يمكن للقارئ أن يترجم العنوان بطريقتين "فوضى"، وأخرى "دعارة"!

تخمينات

وانطلقت التخمينات، لتغطي على بعض تفاصيل نجاح هنا وسقوط هناك، بعد هيمنة تقدم "النجوم الخمس" على المشهد بأكمله في وسائل الإعلام والتواصل والتحليلات السياسية والانتخابية لفرز برلمانٍ سيشكل الحكومة.

فخلال السنوات الخمس الماضية للبرلمان، بقي هذا الحزب يكرر أنه لن يدخل في تعاونٍ مع أحد، وظل يسعى لتحقيق أغلبية له، قبل أن يأتي النظام الانتخابي ويشترط حصول أي حزب على 40 في المئة للبدء بمشاورات تشكيل حكومة.

أحد أهم التساؤلات، التي تفرض نفسها بقوة الآن، وباعتراف زعيم "الاجتماعي الديمقراطي"، ماتيو رينزي، بالخسارة الكبيرة ليسار الوسط، هو حول ما سيكون بإمكان سلفيو برلسكوني، الذي لم يحصل على ما تمنته حساباته الدعائية، بإمكانه فعله، ليكون "ضمانة" بوجه الشعبويين واليمين المتشدد.

عودة برلسكوني تعتبر في الناحية الشخصية نجاحاً للثمانيني المحكوم قضائياً بعدم مزاولة السياسة حتى 2019، مع مراهنة الاتحاد الأوروبي عليه كضامن، بيد أن العودة بالنسبة لحزبه "فورزا إيطاليا" ليست كذلك، مع حصول يمين الوسط على 37 في المئة من الأصوات فقط، وخصوصاً مع تجاوز "النجوم الخمس" لوحده عتبة 32 في المئة.

في معسكر اليمين ويمين الوسط، قُلبت موازين القوى بشكل واضح، بتقدم "الرابطة" وتصدره المشهد. وبمنافسة صريحة مع موقع "فوزرا إيطاليا"، لن يكون أمر الائتلاف الحكومي سهلاً، ولم يسهله أيضاً اكتساح "النجوم الخمس". ما هو غير واضح بالنسبة للمراقبين، الطريقة التي سيتعامل بها زعيم "الرابطة"، ماتيو سالفيني، وهو بالتأكيد لن يسلم بسهولة لـ"العجوز برلسكوني".

معاقبة الأحزاب التقليدية

ويتضح، بتقدم "النجوم الخمس" إلى أكثر من 32 في المئة و"فراتيللي ديتاليا" الفاشي بأكثر من أربعة في المئة، وتراجع يسار الوسط بمجموعه إلى نحو 23 في المئة، وتقدم واضح لـ"الرابطة"، ليس فقط في شمال إيطاليا بل في كل البلد، أن عناوين الحملة الانتخابية أتت أكلها في مسائل الهجرة واللجوء وانتقاد العلاقة بالاتحاد الأوروبي، وهو ما سيضع النخبة السياسية والحزبية، أمام تحديات كبيرة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. وفي ظل "الفوضى"، كما ذهبت وسائل الإعلام، لن يكون تشكيل الحكومة سلساً، لخلق تحالف حكم بين أجنحة متباعدة نوعا ما.

إذاً، يتفق اليوم معظم متابعي الاستحقاق الإيطالي على الرأي القائل بأنها "انتخابات عقابية بإدارة الظهر للأحزاب التقليدية في الحياة السياسية".

وحتى في تحالف اليمين، الذي دخل برلسكوني فيه، يبدو جليا أن "الليغا" - حزب "الرابطة"، المعادي للمهاجرين، والناقد بشدة للاتحاد الأوروبي، فرض نفسه في هذه الكتلة كأحد أهم أقطابها، بخطاب كاريزمي شعبوي من زعيمه سالفيني، وبتقدمه بنحو 18 في المئة، ما يعني أيضاً عقاباً لليمين التقليدي، وضغطاً كبيراً من سالفيني لعدم القبول بمرشح لرئاسة الحكومة من غير حزبه.

أما معسكر تحالف يسار الوسط، فقد جرت أيضاً معاقبته بتراجع كتلته لتتمحور حول الـ20 في المئة، وهو ما أحبط كثيرين ممن راهنوا عليه في الداخل والخارج. وقد لا تبدو مفاجئة هذه "الهزيمة"، التي اعترف بها اليوم "الاجتماعي الديمقراطي" الحاكم، بالنسبة لمراقبي التفكك في هذا المعسكر، والاتهامات المتبادلة بين أجنحته.

وفي الأيام والأسابيع المقبلة، ستتركز العيون على الأجنحة المتطرفة، وخصوصاً على خيارات "النجوم الخمس". ففي هذا الحزب تقدم الشاب الثلاثيني لويجي دي مايو، رغم كل الانتقادات ومحاولات النيل منه ومن خلفيته، فيما يراهن البعض على أن يظهر هذا المرشح لرئاسة الحكومة بعض "التعقل" و"الحكمة" ليتحدث بلغة يمين الوسط وليس التطرف، لإمكانية تشكيل حكومة ائتلافية. لكن هذه المراهنة ليست كبيرة بنظر البعض، لأنها "تقتل مصداقية النجوم، الذي قام أساساً على رفض التحالف في السياسة والحكم مع الأحزاب التقليدية القائمة".

رغم ذلك، وبما أن إيطاليا لا تعيش وحدها، وهي عضو في أسرة أوروبية، فإن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يكون له دور، بغض النظر عن النتائج وصدمته منها. ففي السياسة ثمة مصالح وتعقل بعد أن تهدأ الرؤوس.

ويدرك الأوروبيون، خصوصاً من الناحية الاقتصادية، مكانة إيطاليا في منطقة اليورو، وأن أي اهتزازات عنيفة ستكون نتائجها مكلفة، بشكل أخص على تسويات إصلاح منطقة اليورو، التي ستنطلق بقوة بعد تشكيل الحكومة الألمانية الائتلافية.

النفوذ الأوروبي، من مدخل مشكلة إيطاليا مع اللجوء والهجرة، يمكن أن يتحول كذلك إلى مادة مهمة، قبل مناقشة الصيف المقبل لإصلاحات أوروبية في قانون الهجرة واللجوء. بمعنى من المعاني، يمكن لبروكسل أن تلعب دوراً في تقديم حلول عملية للأحزاب الناقمة على ما يسمونه "تخل أوروبي عن إيطاليا"، لتعيد بعض الحسابات في عدم ترك الوضع الإيطالي يعيش فوضى الانهيار.

تعزيز للشعبوية الأوروبية

التصريح السريع الذي خرجت به زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبين، عن أن نتائج انتخابات إيطاليا "خسارة للاتحاد الأوروبي"، يحمل الكثير من السعادة بين شعبويي أوروبا. فخلاصة تقدم اليمين الشعبوي في إيطاليا تعنيأن حالة العقاب للأحزاب التقليدية الأوروبية باتت راسخة في القارة العجوز، بقوى تقلب الموازين التي اعتادت عليها صناديق الاقتراع.


إلى جانب لوبين، يشعر بالتأكيد قادة وساسة الشعبويين في "البديل" الألماني، وكل الأحزاب التي تنتهج خطاً شعبوياً في اسكندنافيا والنمسا وهولندا وبلجيكا، وشرق أوروبا، وربما الكرملين الروسي، بغبطة كبيرة اليوم. وبالرغم من أن "الرابطة" خفف من لهجته، على لسان سالفيني، عن الخروج من الاتحاد، إلا أن منافسة النجوم الخمس لن تترك مطالب هذه القوى المتشككة بالاتحاد الأوروبي جانبا.

ورغم أن إيطاليا تحتل مرتبة ثالثة في منطقة اليورو، إلا أن قلق بروكسل واضح حين التمعن بحقيقة وضع روما. البطالة في هذا البلد تبلغ 11 في المئة، والدين العام يصل إلى نحو 130 في المئة من الناتج المحلي، بتجاوز لليونان التي وصلت إلى الإفلاس، وأي هزة أخرى ستضع الاتحاد وإيطاليا في مأزق كبير.

المأزق ماثل في وعود انتخابية قدمتها أطراف اليمين الشعبوي عن زيادة المساعدات المالية للمواطنين وتخفيف الأعباء الضريبية، والآن سيبدأ الناس بالتساؤل عن التمويل وما سيصلهم ممن انتخبوهم أمس الأحد.​

 

 

المساهمون