الصراع في ليبيا يفكّك نسيجها الاجتماعي

03 ديسمبر 2019
الصورة
لا يدركون تخبّطات مجتمعهم (حازم تركية/ الأناضول)
+ الخط -
في ليبيا، كما في مناطق مأزومة كثيرة حول العالم، تعمد الأطراف المتنازعة إلى تأجيج النعرات الجهوية مع العمل على تفكيك النسيج الاجتماعي لتتمكّن من السيطرة على الأرض

استنكرت "الهيئة الطرابلسية" في ليبيا بياناً أصدرته أخيراً "الهيئة البرقاوية"، أعلنت من خلاله استعدادها لإقامة ندوة لـ"مناقشة الفدرالية وتقاسم الموارد"، وقد رأت أنّ تلك الدعوة لا تناسب الظروف التي تعيشها العاصمة طرابلس وسكانها في ظلّ قصف الطائرات والمدفعية. وشدّدت "الهيئة الطرابلسية" على رفضها مناقشة قضايا حسّاسة، إذ إنّ من شأن ذلك أن يغذّي الصراع القائم في الأساس، موضحة أنّ ثروات ليبيا ملك لكلّ الليبيين، حاضراً ومستقبلاً، وداعية "الهيئة البرقاوية" إلى ضرورة منع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر من مواصلة هجومها على طرابلس. كذلك لمّحت "الهيئة الطرابلسية" في ردّها إلى حلول عدّة لمشكلة الثروات، منها نظام المحافظات غير المركزي وتطبيق قوانين الإدارة المحلية، لكونهما كفيلين لحلّ مشكلة المركزية.




يرى الباحث في الشؤون الاجتماعية في ليبيا، عبد العزيز الأوجلي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "الهيئتَين من نتائج الصراع القائم في البلاد"، مستغرباً أن "تستنكر هيئة تأسست على الجهوية مساعي أخرى تدعو إلى الفدرالية". ويسأل: "ما الفرق بين الاثنتَين؟ فهما، كلتاهما، عمّقتا الجهوية في ليبيا". والدعوات إلى الفدرالية في ليبيا كانت قد برزت في عام 2013 عندما تشكّل تيار فدرالي في شرق البلاد، معلناً عن مكتب سياسي ألّف حكومة حكم ذاتي. ومع إطلاق حفتر "عملية الكرامة" في منتصف عام 2014، دعم دعاة الفدرالية سريعاً حربه في بنغازي (شرق) على خصومه الذين تلقّوا دعماً اجتماعياً غير محدود من سكان المدينة الذين يتحدّرون بمعظمهم من مناطق غرب البلاد. لكنّ دعاة الفدرالية عادوا إلى النشاط مجدداً مع دعوات أطلقتها دول عدّة، من بينها مصر، لـ"توزيع عادل للثروات في ليبيا كأحد أسس حلّ الأزمة الليبية". ويشرح الأوجلي خلفيات بروز الجهوية وتصدّع النسيج الاجتماعي على خلفية الحرب، قائلاً إنّ "دعاة الفدرالية يلعبون على وتر شعارات تشير إلى أنّ منابع النفط تقع في شرق البلاد والمستفيد من عائداتها مكوّنات اجتماعية في غربها، وهي نعرة برزت أخيراً في الجنوب كذلك، ووجدت في حرب حفتر وسلاحه طريقاً إلى تنفيذ تلك الرغبات التي ظهرت بسبب التهميش الذي يعانيه سكان الأقاليم في الجنوب والشرق".

وبينما يؤكد الأوجلي أنّ "حرب حفتر واستمرارها أربعة أعوام لتشمل مدناً ومناطق كثيرة في ليبيا سببٌ رئيسيّ للشروخ التي يعانيها النسيج الاجتماعي"، يقول المهتم بالشأن السياسي عقيلة الأطرش لـ"العربي الجديد" إنّ "سلطات البلاد ما بعد انتصار ثورة فبراير/ شباط 2011 أخفقت كلها في فتح حوارات بين المكوّنات الليبية لتنتهي بسيطرة المنتصر، أي أنصار فبراير، على القرار المالي والسياسي وإقصاء المهزوم، أي مكوّنات اجتماعية موالية للنظام السابق". ومثالاً على ذلك، يشير الأطرش إلى "القتال الدامي الذي شهدته مدينة أوباي طوال عام 2014 وسبها من بعدها، وكلتاهما في الجنوب الليبي"، مؤكداً أنّ "الجميع يعلم أنّها حرب قامت على أساس قبلي جهوي غذّته ثقافة المنتصر من ثوار فبراير على المهزوم من أنصار الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي".

لكنّ الأوجلي يؤكد أنّ "القتال الذي قاده حفتر في بنغازي ودرنة كان على خلفيات جهوية، فمقاتلو حفتر بمعظمهم كانوا يتحدرون من قبائل شرق ليبيا، بدوافع جهوية تاريخية لقتال أنصار مجالس شورى بنغازي ودرنة المتحدرين بمعظمهم من مناطق في الغرب الليبي"، مشدداً على أنّ "الجهوية والقبلية تتحكمان بمفاصل الإدارات في المدينتَين الأبرز في شرق ليبيا حالياً". ويلفت الأوجلي إلى "بروز الحديث عن الشرق والغرب في حملة حفتر العسكرية على طرابلس، الأمر الذي حدا حكومة الوفاق الوطني في ليبيا إلى إصدار بيان رسمي يشجب توظيف حفتر الخلفيات التاريخية لإثارة الجهوية، مع بروز مخاوف واضحة في بيانات البعثة الأممية من انجراف ليبيا في حرب أهلية على أساس جهوي". وإذ يضيف الأوجلي أنّ "توصيفات قوات الشرق وقوات الغرب كانت تطغى في تصريحات قادة الطرفَين المتقاتلَين في خلال شهرَي إبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيّين"، يتحدّث عن "تصريحات لأعضاء في مجلس النواب من الموالين لحفتر بيّنت أنّ مقاتلي حفتر ساروا أرتالاً إلى طرابلس بسبب الضيم والتهميش واستئثار الطرابلسيين بثروات البلاد وحرمانهم إياها".

بالنسبة إلى الأطرش، فإنّ "البحث اليوم في أسباب بروز الجهوية وتفسّخ النسيج الاجتماعي لا يعالج المسألة، فتشكيل هيئة طرابلسية وأخرى برقاوية يُعَدّ مرحلة متقدمة لنتائج الصراع الذي يلعب على الوتر الاجتماعي". في سياق متصل، تألّفت الهيئة البنغازية في طرابلس، من الأسر المهجّرة من بنغازي التي تقدَّر بعشرة آلاف، من جرّاء حرب حفتر على خصومه. وقد أكّدت الهيئة أنّ مساكن مهجّري المدينة بمعظمها دُمّرت على أيدي مسلحي كتائب أولياء الدم المتحدرين من شرق البلاد، وذلك على خلفيات جهوية قبلية.




وفيما يؤكد الأوجلي أنّ "حفتر ليس جهوياً، إنّما يلعب براغماتياً على الوتر الجهوي لتحقيق أهدافه للسيطرة على البلاد"، يرى أنّ "آثار الجهوية ستمتدّ لوقت طويل، مهدّدة أيّ عملية للاستقرار". ويتابع بأنّ "رأب الصدع في المجتمع واستعادة قوّة نسيجه يبدآن بوضع عقد اجتماعي مبنيّ على مصالحة اجتماعية، لكنّها تحتاج إلى سنين طويلة لتجاوز آثار الصراع الذي أنتجته حروب حفتر".

دلالات