الصدام المستبعد بين روسيا وتركيا في ليبيا

27 ديسمبر 2019
الصورة
عبّرت روسيا عن قلقها علنا، وعلى لسان خارجيتها، سيرغي لافروف، عن توقيع الاتفاقية الأمنية وترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا. كما عبّرت عن خشيتها غير مرة من أن ترسل تركيا قوات عسكرية إلى طرابلس، لنصرة حكومة الوفاق. من جهة أخرى، يصعب كثيراً فهم التصعيد العسكري الروسي المفاجئ في إدلب، المنطقة التي تحميها تركيا في شمال سورية، في الأيام التي تلت توقيع الاتفاقية التركية – الليبية، بمعزل عن الغضب الروسي تجاه الاتفاقية نفسها. تدرك موسكو وأنقرة خطورة الصدام في طرابلس على مصالحهما، ولذا شكّلتا وفودا تفاوضية منهما، في محاولة لاحتواء الأزمة في ليبيا، ومنعها من التدهور إلى مستويات قد تفقدان السيطرة عليها.
الخلافات الروسية التركية في ليبيا كثيرة وكبيرة، والقلق الروسي الفوري يشكل تعبيراً حقيقياً عن حجمها، وأهمها وصول تركيا إلى الاحتياط الهائل من الغاز الطبيعي في شرق المتوسط الذي يقدّر بترليونات من الدولارات، ويمكن أن يزود أوروبا بهذه السلعة الاستراتيجية عشرات السنين، فيما شكلت روسيا تاريخيا المصدر الرئيسي لأوروبا من الغاز الطبيعي، وأجادت أيضاً استثمار اعتماد أوروبا عليها في موضوع الغاز، لممارسة ضغوط سياسية على أوروبا، سيما في ملف الصراع في أوكرانيا وغيره. وسيمكّن وصول أنقرة إلى هذا الاحتياط الهائل من الغاز الطبيعي من منافسة روسيا على تزويد أوروبا بالغاز، ما سيضعف ورقة ضغط مهمة بيد موسكو تجاه أوروبا.
نقطة الخلاف الأخرى الكبيرة بين الطرفين وقوف روسيا إلى جانب الدكتاتوريات العربية، والاستثمار بها في سورية وليبيا والجزائر ومصر وغيرها. تمقت روسيا حركات التغيير في العالم العربي، وتعمل على تقوية أنظمة الاستبداد لمحافظة هذه على مصالحها. في المقابل، ما زالت تركيا تستثمر بما تراها قوى صاعدة، أي حركات التغيير، على اعتبار أن هذه صاحبة المستقبل السياسي في العالم العربي، فدعمت المعارضة في سورية ومصر وليبيا وتونس ودول أخرى.
ومع ذلك، بالنظر إلى منطقة العالم العربي ككل، وليس فقط إلى ليبيا، يمكن ملاحظة أن ما يجمع تركيا وروسيا أكبر بكثير مما يفرّقهما، فالمصالح متشابكة إلى درجة تجعل من الصعب على الملف الليبي وحده تفكيكها، وهذا يقلل كثيراً من احتمال الصدام العسكري بين الطرفين 
هناك، أو حتى بالسماح بخروج الملف الليبي عن السيطرة، ففي سورية يتعاون الطرفان على تثبيت اتفاقيات خفض التوتر ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكذلك في عملية إعادة الإعمار في سورية، ناهيك عن تعاون الطرفين لتسوية موضوع إدلب، وحتى موضوع شرق الفرات.
أما فيما يخصّ وقوفهما على النقيض في موضوع الثورات، فقد استطاعت أنقرة وموسكو في الحقيقة تجيير ذلك لصالحهما، بحيث يسيطر كل طرفٍ منهم على أعداء الطرف الآخر، فروسيا بحاجة كبيرة لتركيا لتساعدها في السيطرة على جماعات المعارضة السورية المسلحة، وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تحتاج موسكو للجم النظام وإيران أيضاً، ومنعهما من ارتكاب مجازر في إدلب. وحتى في ليبيا نفسها، توفّرت فرصة تاريخية لكليهما لإعادة رسم الخريطة السياسية هناك، وفي شرق المتوسط أيضاً، في غياب أوروبي أميركي، فبعد أن كانت إيطاليا وفرنسا تعملان على ترتيب البيت الليبي وفقاً لمصالحهما، سواء في مؤتمر باريس أو مؤتمر روما، أصبح الثقل ينتقل تدريجياً إلى موسكو وأنقرة. يظهر ذلك في المفاوضات التي يقودها ممثل الرئيس الروسي في الشرق الأوسط وأفريقيا، ميخائيل بوغاندوف، ونائب وزير الخارجية التركي، سدات أونال ذات، والتي قد يكون لها أثر على مستقبل ليبيا السياسي أكبر من مؤتمر برلين الدولي الشهر المقبل، والذي أصبح أيضاً في ذيل أخبار ليبيا بعد توقيع الاتفاقية الأمنية البحرية بين تركيا وليبيا.
تعلمت تركيا درسا قاسيا بعد إسقاطها للطائرة العسكرية الروسية فوق سورية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، مفاده بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) الحليف الأمني لتركيا ليس كذلك، فقد تركها تواجه بطش روسيا وحيدة، من دون داعم غربي يساندها. استخلصت أنقرة العبر، وحوّلت تدريجياً علاقاتها باتجاه روسيا التي فتحت ذراعيها لها، بحيث تكاد تكون تركيا اليوم أهم حليف لروسيا في الشرق الأوسط، وربما أكثر أهمية من إيران أيضاً. وتحدّت تركيا حليفها التاريخي واشنطن، واشترت صواريخ إس 400 من موسكو، ففرضت واشنطن عليها عقوبات اقتصادية، وأوقفت مبيعات طائرات إف 35 لها، وهدّدت أنقرة أيضاً بإغلاق القاعدة العسكرية الأميركية "إنجرليك" التي كانت دوماً القاعدة المتقدمة في الصدام مع موسكو إبّان الحرب الباردة مع الأيام الاتحاد السوفييتي.
من هنا، تحاول روسيا، على الرغم من حنقها من توقيع تركيا الاتفاقية الأمنية البحرية مع ليبيا، الموازنة مع آهمية تركيا الاستراتيجية لها، وتحديداً فيما يخص ابتعادها عن شركائها التقليديين في حلف الناتو، فتركيا اليوم هي الأقرب لروسيا والأبعد عن واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولذا فالصدام بين موسكو وأنقرة في ليبيا مستبعد على الأقل في الوقت الراهن.