الصدام التركي الروسي في الشمال السوري

28 فبراير 2020
الصورة
مرّت العلاقة التركية الروسية بتجاذباتٍ كبيرةٍ، وصلت إلى حافّة الحرب حيناً، عندما أسقطت تركيا طائرة روسية في المياه الإقليمية، ولكن هذه العلاقة عادت إلى التحسن، ولتظهر في أفضل حالاتها من التنسيق في الملفات السورية والاقتصادية الثنائية، حتى وصلت إلى درجة تفضيل تركيا علاقتها مع روسيا على حساب علاقتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). 
اليوم تمر العلاقة التركية – الروسية بمنعطف جديد تماماً على الأرض السورية، فمع إصرار روسيا على تمكين نظام الأسد من السيطرة على ما تبقى من جيوب المعارضة، وخصوصا مدينة إدلب، ضاربة عرض الحائط بالتفاهمات السابقة في أستانة وسوتشي وغيرهما، وهو ما يتناقض كليا مع المصالح التركية التي تعتبر أنها قدمت تنازلاتٍ في عدم التركيز على إسقاط نظام الأسد والقبول به، والتعامل معه من خلال الوسيط الروسي في مقابل الاحتفاظ بالشريط الحدودي تحت سيطرتها، ومنع تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إلى أراضيها، ومنع ظهور تنظيم كردي، كقوات الحماية الكردية، على حدودها الجنوبية.
قررت روسيا المفاضلة بين الطرفين، أي نظام الأسد والجكومة التركية. ولسببٍ ما اعتقدت أنها 
تستطيع إجبار تركيا على القبول بتغيير المعادلات على الأرض، من دون أن تتأثر العلاقات التي بنيت على مدار السنوات الثلاث الماضية، أتت ردة الفعل التركية مفاجئة ربما لروسيا قبل غيرها، أطلق الرئيس أردوغان، وغيره من المسؤولين الأتراك، تصريحات كثيرة تحذر روسيا من الإقدام على دعم الأسد في حملته العسكرية على إدلب. وفي الوقت نفسه، بقي الصمت الأميركي من هذه العملية العسكرية، اللهم إلا من تصريحاتٍ خجولة، لم تعقبها أي تصريحات تعلن خطوات محدّدة من أجل وقف الحملة العسكرية الروسية، بالتعاون مع نظام الأسد، والتي تقدّرها الأمم المتحدة بأنها أسوأ كارثة إنسانية تشهدها البشرية اليوم حيث هناك أكثر من 900 ألف نازح على الحدود السورية التركية، حيث قامت قوات الأسد بتهجيرهم، مرات، من مدنهم من الغوطة وحمص وحلب ومدن ريف دمشق المختلفة التي حولها النظام خرابا.
إذا استمر النظام السوري في تصعيده العسكري في ريف حلب وإدلب، بالاعتماد على سلاحي الجو السوري والروسي، فإن ثلاثة ملايين سوري على الأقل لن يجدوا لهم "شمالاً" يذهبون إليه، بسبب إغلاق الحدود السورية – التركية بشكل كامل، حيث اعتمدت استراتيجية النظام السوري العسكرية في السنوات الماضية في السيطرة على معاقل المعارضة السورية المسلحة عبر القصف العشوائي بالبراميل المتفجرة من السماء، والحصار الخانق من الأرض، ما يجعل المدنيين يفرّون بأي ثمن من مدنهم وقراهم، وتنتهي مقاومتهم فيضطرون للاستسلام، وقبول ما تسمى المصالحة، ومن ثم الهجرة نحو الشمال، وهو ما حصل على مدى السنوات الأربع الماضية، بدءا من حمص فداريا ثم حلب فالغوطة الشرقية وغيرها. وصلت هذه الاستراتيجية العسكرية التي تعتمد على تجميع المعارضة السورية في الشمال إلى نهايتها، بعد أن تمكّن النظام من السيطرة على كل معاقل المعارضة السورية، ولم يتبق منها سوى إدلب، فلم يعد هناك شمال يذهب إليه النازحون والمشرّدون أو المعارضون لنظام الأسد، وهو ما يجعل مصير السوريين النازحين لأكثر من مرة والمتمركزين في إدلب أشبه بدفعهم نحو الموت المحتم.
من كل هذه الحشود الغفيرة من النازحين، هناك أكثر من 400 ألف على سبيل المثال، تركوا 
معرّة النعمان باتجاه الحدود، خوفا من سيطرة النظام السوري على مدنهم وقراهم، وبالتالي سيكون مصيرهم القتل والتعذيب على أقل تقدير، فكل هذه الحشود لا ترغب بالتوجه نحو الجنوب حيث النظام. إنها تعرف النظام وخبرته عسكريا وأمنيا. حلمها الآن الخروج من قبضته باتجاه الحرية والخلاص، وإن كانت كلفة ذلك النزوح أو اللجوء، العودة إلى حضن النظام يمثل لها أسوأ السيناريوهات، حيث لا يرغب كل هؤلاء النازحين بالعودة إلى حكم الأسد بأي شكل. وليس هناك من أي سبب يدفع تركيا لاستقبال هذا العدد الهائل من الموجات البشرية من النازحين السوريين واللاجئين، ولذلك يقود تأمل السيناريوهات المعدّة لمعركة إدلب إلى خيارات كارثية لسورية والسوريين.
وفي الوقت نفسه، تكشف معركة إدلب الحالية مدى سلبية إدارة ترامب في التعامل مع الكارثة الإنسانية هناك، فالرئيس الأميركي ترامب يشعر أن الاستثمار في سورية قضية خاسرة بكل الأحوال. ولذلك، وعلى الرغم من بدء الحملة العسكرية قبل أسابيع، لم يبد أي اهتمام بالقيام بأية إجراءات لوقف العملية العسكرية الروسية في الشمال السوري، فقد صرّح أحد كبار مسؤوليه بأن الولايات المتحدة ليست شرطي العالم، في نموذج نادر في انعدام القيادة الأميركية في وقت الأزمة، حيث مصير الملايين من السوريين في الشمال على المحكّ، فقد انسحبت الولايات المتحدة من الملف السوري نهائيا، لتصبح مجرد مراقبٍ يبدي ملاحظاته التي لا يُستمع لها في أحيان كثيرة.
تعليق: