الصداقة أيضاً تاج

13 يوليو 2020
الصورة
عباس بيضون (العربي الجديد)

لم نُخطئ آنذاك في اتجاهنا حين حملنا أنفسنا نحن الثلاثة؛ زنوبيا باسل وأنا، وتوجّهنا الى منطقة الظريف في بيروت. بعد أن كنّا نسّقنا موعداً مع عبّاس بيضون لنُقدّم له مجموعاتنا الشعرّية، لا بأس إنها فرحة الكتاب الأوّل، سذاجة المراهقة والرغبة الدائمة في استكشاف ذواتنا بعيون الآخرين.

كنّا قد التقينا عبّاس قبل ذلك في "روسّا"، مقهاه الدائم، إلّا أنّ الذاكرة لم تُسعفه، وربّما دوام التفكّر وتراكُم المشاغل أيضاً، في تذكّرنا. لكنه فتح لنا الباب مرحّباً بابتسامته الدائمة وكلماته المنتقاة بعناية. جلسنا في الصالون متحلّقين حوله كأبٍ رحيم يستمعُ إلينا ويسأل ويستوضح.

"خطوة أولى لا بدّ منها كي يُقال عنكم شعراء"، قال هذه العبارة وابتسم. وأردفها قائلاً: "على العموم، المجموعة الأولى هي ما سيأتي بعدها...". قرأنا له قصائد مختلفة سمعها باهتمام واضعاً إصبعه خلف أذنه بتركيز تامّ.

كنّا قد قرّرنا ثلاثتنا أن تكون زيارةً سريعة، إلّا أنه أصرّ أن نبقى ونشرب الشاي وإيّاه. أخبرنا عن يومياته وصحّته. قرأ لنا قصيدة جديدة. رافقنا حتّى المصعد. ودّعناه وفي رأسنا فكرةٌ مفادُها "في كلّ شاعرٍ منّا شيء من عبّاس بيضون".

في خريف السنة الماضية، اتّصلتُ بعبّاس لأعرضَ عليه فكرة مرافقتنا إلى بعبدات لقضاء نهار خريفيّ بدعوة من صديقنا التشكيلي فادي الشّمعة. جاء جوابه سلبياً نظراً لتزامُن موعد الجلسة مع زيارته لعيادة الطبيب. كان خبراً سيئاً، فمن يعرفُ عبّاس يدركُ أنّ وجودهُ في أيّ جلسةٍ يعني الكثير، ويفتحُ الباب لنقاشات تطول وتطول.

قبل اللقاء بيوم يرنّ هاتفي، أنظرُ إلى الشاشة، أرى اسم عبّاس، أفتحُ الخطّ بلهفة: "كيفك عبّاس؟ طمنّي عنك وعن صحتك". يأتيني الجواب: "أنا بخير عزيزي... يبدو إنّو إلي نصيب كون معكم، تأجّل موعدي عند الحكيم". كان هذا الخبر أشبه بكأس ماء بارد في صيف قائظ. نسّقنا موعد لقائنا في الـ "روسّا" للانطلاق.

عبّاس، باسل وأنا في سيّارة أجرة تشقّ طريقها من الحمرا باتجاه الدّورة، حيثُ يقع مشغل التشكيلي سمعان خوّام. أخذنا استراحة عند سمعان منتظرين قدومَ صديقنا جوزيف عيساوي الشاعر والصحافي. نصف ساعة من الانتظار قضيناها برفقة عبّاس وهو يجولُ على لوحات خوّام متأمّلاً، معلّقاً ومثنياً من وقت لآخر. وصلَ جوزيف، نصعدُ في سيارته والوجهة بعبدات. بلطافة مضحكة يقول عبّاس: "أنا الآن في أيدٍ أمينة". نضحكُ وننطلق. سلام وكلام، أخذ وردّ ونقاشات قلّصت المسافة على أوتوستراد المتن السّريع.

وصلنا إلى دارة فادي الشمعة. أنزلنا رِحالنا هناك. وابتدأ نهارُنا الخريفيّ. موسيقى الجاز في الأجواء. حفلةُ شواءٍ سارت على ما يُرام. جولة على لوحات الشمعة ومشغله في فناء البيت. نقاشات لا تنتهي بين جوزيف وعبّاس. ثرثرة جانبيّة بيني وبين سمعان، قهقهة عالية ومستمرّة.

قرأنا قصائدَ في حديقة المنزل. وقّع لنا عبّاس نسخاً من مجموعته الشعرية الجديدة "الحِداد لا يحملُ تاجاً". لا أنسى أيضاً كاميرا جوزيف التي جالت بيننا وهي تصوّرُ النقاشات والقراءات والضحك اللاهب الأرعن.

غادرنا بعبدات بعد نهار خريفيّ وفي يدي مجموعتهُ الشعريّة مكتوباً عليها "عزيزي محمود .. الصّداقة أيضاً تاج".


* شاعر من لبنان