إضاءة علم الإمارت في تل أبيب (جاك غيز/فرانس برس)
14 اغسطس 2020

احتفلت الصحف الإماراتية، في نسختها الصادرة اليوم الجمعة، بإشهار الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي مساء يوم الخميس، معتبرة أنه خطوة "تاريخية" من "رجل السلام محمد بن زايد"، ومكررة المزاعم بأن الاتفاق يأتي في سياق حرص أبو ظبي على القضية الفلسطينية ولوقف قرار الاحتلال بضم الضفة الغربية.

ورغم الاحتفاء لم يخل المشهد العام في الصحف الإماراتية من ارتباك صادر من إدارات التحرير التي تتلقى أوامرها مباشرة من مكتب ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، في محاولتها صياغة أخبار وتحليلات لاتفاق السلام تظهر أن البلاد "بطلة" و"مخلّصة الأمة العربية" و"حامية القضية الفلسطينية".

وتجاهلت الصحف الأسباب الحقيقية للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، واكتفت بالتركيز على زاوية ما سمته "مصلحة الفلسطينيين"، وإجبار مسؤول كل صحيفة أو مدير تحريرها على كتابة مقال "رأي" يدور حول نقطة واحدة: الإمارات العربية المتحدة تسعى لتحقيق مصالح الفلسطينيين، وقرارها تسبب بوقف الجهود الإسرائيلية نحو ضم الضفة الغربية.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن، الخميس، أن اتفاق إشهار التحالف الإسرائيلي الإماراتي سيوقع في البيت الأبيض في غضون ثلاثة أسابيع، من قبل كلّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووليّ عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيّان.

وقالت صحيفة "الرؤية" في عنوانها الرئيسي: "اتفاق تاريخي يقود لوقف الضم". ووصفت الصحيفة الإماراتية المملوكة للدولة الاتفاق بأنه إسقاط مخطط إسرائيل لضم الضفة الغربية إليها، وبأنه إنجاز متعدد المحاور للدبلوماسية الإماراتية. وأضافت في تقريرها الذي نشر في أربع صفحات أن "الدبلوماسية الإماراتية أبطلت حجج رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي"، محاولة تصوير نتنياهو واليمين الإسرائيلي كعدو للبلاد. لكن الصحيفة ناقضت نفسها في تقرير آخر قالت فيه إن "الإمارات وإسرائيل ستطلقان أجندة استراتيجية في الشرق الأوسط وتنسقان لجهود دبلوماسية وسياسية وتجارية واسعة". ووصف رئيس تحرير الصحيفة محمد الحمادي الاتفاق بـ"سلام الشجعان"، مشيراً إلى أن محمد بن زايد "أصر على الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني والعربي".

وعنونت صحيفة "البيان": "الإمارات توقف ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية"، مؤكدة على "السماح لجميع المسلمين بالصلاة في المسجد الأقصى"، على غرار مواقع مصرية بينها "اليوم السابع"، وواصفة محمد بن زايد بـ"صاحب الرؤية المتفردة والمكانة الرفيعة". كما قالت في افتتاحيتها إن الإمارات العربية المتحدة هي "صوت العقل والحكمة" في المنطقة. وقالت رئيسة التحرير في "البيان"، منى أبو سمرة، في مقال لها حمل عنوان "الإمارات تنتصر ثانية لفلسطين" إن "الاتفاق أنقذ الخيار العربي بالسلام والتوافق الدولي، وإن زوال تأثير المفاجأة سيكشف عن فوائد هذا الاتفاق".

وكتبت صحيفة "الاتحاد" في صدر صفحتها الأولى "إنجاز دبلوماسي تاريخي"، وزعمت كما الصحف الأخرى في عناوينها الفرعية أن "السلام جاء من أجل الفلسطينيين، وحدهم ولحماية المكتسبات الفلسطينية والمقدسات الدينية الإسلامية، والسماح للمسلمين بزيارة المسجد الأقصى". لكن التفاصيل الصغيرة حملت معها الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية المشتركة بين البلدين، إضافة إلى الاتفاقيات التجارية المخطط لها. ونقلت الصحيفة كلمات القيادات الإماراتية في مديح "رجل الدبلوماسية والسلام" محمد بن زايد. تطرقت إلى تصريح ولي عهد دبي، محمد بن راشد، في مديح نتنياهو ومحمد بن زايد، إذ قال إن "التاريخ يكتبه الرجال، والسلام يصنعه الشجعان"، ونشرت تصريح وزير الداخلية سيف بن زايد الذي قال فيه إن "السلام جاء بعيداً عن الشعارات".

وعنونت صحيفة "الخليج" صفحاتها بـ"الإمارات توقف ضم أراضٍ فلسطينية باتفاق تاريخي"، وقالت صحيفة "الوطن" في عنوانها الرئيسي إن "محمد بن زايد صانع سلام الشجعان"، وأضافت أن "الإمارات تصوب عجلة التاريخ". وذكرت في افتتاحيتها أن"السلام حياة وقرار الشجعان وراية فرسان الإنسانية ودليل القوة، فحيث السلام لا حروب ولا تعديات ولا ظلم ولا انتهاك للحقوق، وحيث ينجح القادة وصناع القرار في تغليبه على كل اعتبار آخر فإن عشرات الملايين سوف يعرفون المعنى الحقيقي لنتاج جهود الخير المثمرة للطمأنينة والأمن والسكينة والإقبال على الحياة التي يتمناها كل إنسان بدون خوف أو قلق من القادم لأن السلام في النهاية حصن منيع يحمي كل مؤمن به".

وأضافت "الوطن" أن "الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة... القائد الذي تتجه إليه أنظار القادة والزعماء وصناع القرار حول العالم في كل استحقاق مصيري أو أزمة غرقت في المتاهات. القائد الذي يحفل تاريخ الإنسانية بمساعيه الكثيرة ومسيرته بصناعة السلام في محطات تاريخية، وها هو اليوم في إنجاز تاريخي يبقي الحق الفلسطيني حياً ويعيد للأمة الإسلامية حقها في أن تصلي في المسجد الأقصى".

اللافت أن الصحف الإسرائيلية تلقفت مبكراً سعي الإمارات العربية المتحدة إلى تصوير الاتفاق على أنه انتصار للفلسطينيين، إذ بعدما غرد بن زايد "في اتصاله الهاتفي اليوم مع الرئيس الأميركي (دونالد) ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين) نتنياهو، تم الاتفاق على إيقاف ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية. كما اتفقت الإمارات وإسرائيل على وضع خارطة طريق نحو تدشين التعاون المشترك وصولاً إلى علاقات ثنائية، نقلت قناة "كان" العبرية عن مسؤول إسرائيلي بارز قوله إن "فرض السيادة (الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية) لا يزال على الأجندة، ونحن ملتزمون تنفيذه. إدارة ترامب طلبت منا أن نؤجل مؤقتاً إعلان الضم فقط، من أجل أن نسمح أولاً بتطبيق اتفاق السلام التاريخي مع الإمارات".

ونشر موقع صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" خبراً، مساء الخميس، عنوانه "الإمارات العربية المتحدة تصور سلامها مع إسرائيل على أنه انتصار للفلسطينيين". وأشارت فيه إلى تصريحات محمد بن زايد ووزير الخارجية أنور قرقاش والسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة الذي كان قد كتب مقالة رأي، في 12 يونيو/حزيران الماضي، نشرت على الصفحة الأولى لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية.

الإمارات العربية المتحدة لم تكتف بصحفها ومواقعها الإخبارية في تضليل القراء بشأن اتفاقها مع الاحتلال الإسرائيلي، فمنذ اللحظة الأولى للإعلان عنه يوم الخميس انتشرت تغريدات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من الإماراتيين، ومعظمهم يملكون حسابات موثقة ومعروفون بالتطبيل للسلطات، ركزت كلها على أكذوبة أن "خطوة الإمارات أوقفت الضم" وأن حكومة بلادهم "ستمكن المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى".

صيغة التغريدات كانت متشابهة إلى درجة يمكن القول إنها كانت معممة على الشخصيات المؤثرة، وأرفقت بوسم "#الإمارات_رسالة_سلام" الذي برز ضمن قائمة الأكثر تداولاً على "تويتر" في الإمارات.

ولم تقتصر هذه التغريدات ومحاولات التضليل بشأن الاتفاق على شخصيات مؤثرة على "تويتر"، إذ انضم إلى هذه الحملة أيضاً دعاة إسلاميون، بينهم الداعية الإماراتي وسيم يوسف الذي نشر فتوى المفتي السابق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز ابن باز التي يقول فيها "كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك". ونشر تغريدة ثانية باللغة الإنكليزية هنأ فيها الإمارات وإسرائيل على "الإنجاز التاريخي".