الصحراء تهدد أمن الأنبار: ملاذ آمن لـ"داعش"

02 مارس 2018
الصورة
العملية ضد "داعش" قد تستمر لأشهر (أحمد الربيعي/فرانس برس)

"الصحراء ترفض صحبتنا، وتصر على إيواء المزيد من المسلحين فيها، وللأسف هناك هجمات شبه يومية تنطلق منها نحو مدن الأنبار، لذا نحن هنا". على وقع هذه الكلمات يحاول العريف في القوات العراقية، أحمد الدليمي، وصف تكرار هجمات تنظيم "داعش" على بلدات ومدن عدة في محافظة الأنبار، منذ إعلان رئيس الوزراء، حيدر العبادي، نهاية العام الماضي، تحقيق النصر على "داعش" وكسره نهائياً في العراق. ويقول الدليمي "يهاجمون ليلاً بالقنابل أو بنادق القنص أو القذائف. يضربون ويهربون إلى هذه الصحراء، التي تم تفتيشها مرات عدة، لكن من دون جدوى". ويضيف ساخراً "يبدو أنها بالفعل تعشق الوحشة وتعكير الحياة مثل داعش تماماً".

ويؤكد مسؤولون في قيادة شرطة الأنبار وعمليات البادية والجزيرة، المسؤولة عن صحراء المحافظة، لـ"العربي الجديد"، وجود المئات من عناصر داعش داخل الصحراء، يختبئون في أنفاق وكهوف طبيعية أو تجويفات جبلية وخنادق وغرف حفروها في وقت سابق، ويصعب العثور عليها بسبب تمويهها". وتصاعدت أخيراً هجمات التنظيم، خصوصاً في مناطق قريبة من الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، إذ يتم استهداف نقاط تفتيش وأبراج مراقبة وأرتال عسكرية. وذهب ضحية الهجمات عدد من عناصر قوات الأمن العراقية، الأمر الذي يدخل الأهالي في دوامة قلق وخوف جديدة من أن الاستقرار قد يكون حلماً بعيد المنال. وفي الوقت الذي تؤكد فيه مصادر أمنية وجود مئات الإرهابيين من "داعش" قرب الرمادي، يدخل عدد منهم إلى المدينة بشكل يومي، متنكرين بزي صيادين أو رعاة أغنام أو قرويين وحتى بزي عناصر شرطة، يؤكد "الحشد العشائري"، التابع تنظيمياً إلى مليشيا "الحشد الشعبي"، إعداده لفوج جديد لمطاردة عناصر "داعش" في صحراء الأنبار، فيما يذهب برلمانيون إلى انتقاد إجراءات التحالف الدولي، بقيادة أميركا، لحظرها تحليق الطائرات الحربية العراقية في سماء الأنبار.

وكانت القيادة العسكرية العراقية قد أعلنت، في فبراير/شباط 2015، تحرير مدينة الرمادي غرب البلاد، بعد احتلال تنظيم "داعش" لها، عندما انسحبت القوات العراقية منها من دون قتال، في حين استخدم التنظيم آلاف المدنيين كدروع بشرية، وتسبب بمقتل آلاف الأبرياء ونزوح مئات الآلاف إلى مناطق مختلفة، فضلاً عن قيام مليشيا "الحشد الشعبي" باختطاف أكثر من سبعة آلاف عراقي واقتيادهم إلى جرف الصخر جنوبي بغداد، ولا تزال تحتجزهم هناك. ويؤكد مصدر أمني من شرطة الأنبار أن "مناطق، مثل ثميل وأبو الجير، التي تبعد عن الرمادي نحو 40 كيلومتراً، مهددة بالسقوط بيد تنظيم داعش في أي لحظة، وذلك لوجود خلايا إرهابية فاعلة ونشطة" في المنطقة، مبيناً، لـ"العربي الجديد"، أن "العدد الكلي لعناصر داعش في المناطق المحيطة بالرمادي يتراوح بما بين 300 و500 مسلح، وكل 10 عناصر منهم يمثلون خلية منفردة لها قائد وينفذون مهامهم وفق ما يرونه" مناسباً. ويقول إن "الخلايا تعمل على استهداف القوات الأمنية العراقية، من خلال السيطرة على أجزاء من الطريق السريع الرابط بين بغداد ودمشق وعمّان، وكذلك استهداف المدنيين"، مشيراً إلى أن "الوضع خطير جداً، وينبئ بوقوع كارثة قريباً، لا سيما وأن الطيران العراقي محظور من قبل التحالف الدولي من التحليق في سماء محافظة الأنبار بالكامل".


وشهدت مدينة الرمادي نحو 10 هجمات إرهابية نفذها "داعش" بواسطة دراجات نارية وانتحاريين، بعد إعلان القوات العراقية تحريرها، أسفرت عن مقتل العشرات من العناصر الأمنية والمدنيين. وكان آخر هجوم كبير شنه عناصر "داعش" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ضد القوات العراقية، في منطقتي السبعة كيلو والطاش، واستمر لأكثر من أربع ساعات. من جانبه، انتقد العضو في لجنة الأمن والدفاع النيابية العراقية، حسن سالم، التدخلات الأميركية في السيادة العراقية، وحظر الطيران العراقي من قبل التحالف الدولي، مبيناً، لـ"العربي الجديد"، أن "الطيران الحربي العراقي يستطيع سحق العناصر الإرهابية التي ما زالت تشكل خطراً على الأنبار، لكن الأميركيين، الذين يرعون داعش ويمولونه، لا يريدون ذلك". ويضيف إن "التحالف الدولي يستخدم داعش كورقة ضغط على العراق، وبالتالي فهو لا يريد للتنظيم الإرهابي أن يُهزم في الأنبار، وأن يبقى الخطر مستمراً على الأهالي والحكومة المحلية هناك"، لافتاً إلى أن "حظر الطيران العراقي من التحليق في سماء الأنبار يمثل تعدياً سافراً، وعلى الحكومة العراقية أن تتوجه برد قوي لرفع هذا الحظر".

ويشير الخبير في الأمن العراقي، منعم الطائي، إلى أن "تنظيم داعش، عمل خلال الأشهر القليلة الماضية على نشر عناصره على حدود الرمادي لقتل معارضيه السنة، وخلق المزيد من الثغرات، يمكن من خلالها ضرب أمن المدينة من جديد". ويقول الطائي، لـ"العربي الجديد"، إن "قيادة داعش تفكر في أن تقوم في المرحلة المقبلة باستيعاب بعض السياسيين السنة في منطقة الموصل والأنبار وبغداد، ووعدهم بالتخفيف من العنف ضد القطاعات الاقتصادية المهمة، مقابل الدعم المالي والسياسي". وتستعد قوات "الحشد العشائري"، الذي يحتوي على مقاتلين من محافظة الأنبار، لعملية عسكرية واسعة لمطاردة "داعش" على أطراف الرمادي وصحراء الأنبار. ويوضح القيادي في "الحشد العشائري"، طارق العسل، أن "القوات الأمنية ما زالت تطارد داعش وتضرب أوكار الإرهابيين، لكن العناصر الإرهابية لا تنتهي، فهي منتشرة بكثرة في مناطق المحافظة، متخفية بأزياء وأدوار مختلفة". ويوضح أن "قوات التحالف الدولي تدرب الآن قوة عسكرية من أبناء العشائر، تتمثل بفوج مكون من 500 مقاتل، لغرض التوغل في عمق صحراء الأنبار ومطاردة الإرهابيين والسيطرة على أنفاقهم، وتأمين حزام مدينة الرمادي، منعاً لحدوث أي اختراق يتسبب بسقوطها هي أو أجزاء منها بيد الإرهابيين"، مبيناً أن "العملية ربما تستمر لأشهر، كون المناطق الصحراوية واسعة وترتبط بست محافظات عراقية، وتحتاج إلى تنسيق عالي المستوى وأسلحة متطورة".